إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله " يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون" " يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتّقوا الله الذي تسّاءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً " " يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً " .
أمّا بعد : فإنّ أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة .
لا يختلف عاقلان أنّ ما حصل من بلايا عظيمة في الخضراء في العصور المتأخرة نتيجة أسباب كثيرة منها قلة أهل العلم الرّاسخين فيه والعاملين به .
وإذا كان الفراغ لا بدّ أن يملأ ، فقد حلّ الخطباء والكتّاب والصّحفيّون والحزبيّون ومنحرفو العقيدة وضالّوا المناهج ، موقع أهل العلم ، وهم فيهم من النّقص من العلم والإيمان والعمل ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فتلاعبوا بالألقاب العلميّة ، والرّتب السّنّية ، فشُيِّخَ الأصاغر، وأهمل الأكابر، وتصدّى لتوجيه النّاشئة ، الأنصاف ، والرّويبضة ، فعمّ الوباء ، وكثر البلاء ، وتنوّع الانحراف وكثرت الفوضى في الأفكار ، والأقوال ، والأعمال ، والسّلوك والمناهج ، وآنظر إلى الكوارث الحاصلة في البلد وفي الفرق والجماعات والفشل العام فيهم ، و ما آستأسد الطّغيان إلاّ بخلل من أطلقوا على أنفسهم معارضة !!!
وإذا نظرت إلى واقع شبكة الإعلام في المهجر ـ مثلا ـ ، فقد كثرت المواقع التّونسيّة على شبكة الإنترنت ، وبالنّظر فيها والتّأمّل في أهدافها ومجالات نشاطها تبيّن أنه لا يوجد موقع مخصّص للعلم والعمل والاعتقاد يعرّف بأصول أهل السّنّة وثوابتهم وإنتاجهم يكون واصلا للتّونسيّين بأسلافهم الأوائل ، خاصّة وقد تنكّر الجميع لهم بمن يحسب نفسه يعمل للإسلام ، في الوقت الذي تشهد فيه السّاحة التّونسيّة عودة عارمة لتلك المدرسة العتيدة الّتي أسّست الإسلام السّنّي في الخضراء منذ الفتح الأوّل .
إنّنا لا نطمح أن يكون هذا الموقع لحزب أو جماعة لأسباب أهمّها :
ـ أنّنا نعادي كلّ ما من شأنه أن يفرّق بين الأمّة الواحدة " وأنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فآعبدون " الأنبياء 92 " ولا تكونوا من المشركين من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا كلّ حزب بما لديهم فرحون " الرّوم 32 " إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء " الأنعام 159 " أن أقيموا الدّين ولا تتفرّقوا فيه " الشّورى 13 .
ـ لأنّنا لا نريد أن نتشبّع بما لم نعط .
ـ لأنّنا لا نريد أن نحمد بما لم نفعل .
ـ لأنّنا دعاة حقّ ويكفينا هذا .
غير أنّ هذا الموقع لن يقف متفرّجا على ما يجري في السّاحة التّونسيّة وتفاعلاتها السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة بل سيكون في معمعتها بالبيان والتّحليل ولكن على أصول السّلف الفاضل .
نريد من خلال هذا الموقع العافية لشعبنا التّونسيّ المسلم ولشعوب المسلمين جميعا بل لشعوب العالم كافّة . ولا تكون العافية إلاّ بسلوك مسلك الأوائل إستجابة لقوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم : " وإنّ أمّتكم هذه جعل عافيتها في أوّلها " أحمد ومسلم .
نريد من خلال هذا الموقع إحياء الفكر الإسلامي الصّحيح في ضوء الكتاب والسّنّة ، وعلى نهج سلف الأمّة ، وإزالة الجمود المذهبي ، والتَّعَصُّب الحزبي ، الذي سيطر على عقول كثير من المسلمين ، وأبعدهم عن صفاء الأخوة الإسلاميّة النقية ، تنفيذاً لأمر الله جل وعلا: " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا " وقوله صلى الله عليه وسلم : " وكونوا عبادَ الله إخوانا " . كان إنشاء موقع تونس المسلمة فكرة وأمنية وكان وراء إنشائه الهمّ الشّرعي لحمل أمانة الإسلام العظيم وما نراه من تهريس له بين السّياسيّين في الخضراء . كما لا نخفي حقيقة ما يعانيه بعض الإخوة السّاهرين على هذا الموقع الآن من قهر وغبن سلّط عليهم من أدعياء الحرّيّة من بعض المواقع الخاضعة للهيمنة الحزبيّة المشوّهة للمخالف ، المعبّأة لرفض السّنّي . ففتحوا مواقعهم لكلّ الكتّاب ومن كلّ الآتّجاهات ومن كلّ الطّوائف وهذا ما لم يحصل معنا ، بل ما رأينا إلاّ إصرار العدوان علينا وتغليب مصلحة الحزبيّة على مصلحة البلد ، ومصالحهم الخاصّة على مصالح الإسلام وانتهى الأمر بالأشباح المتحرّرين من كلّ رقيب ووظّفوا " إشعاعهم " المشوّه لحبك مؤامرة بوليسيّة قذرة فلم يتعاملوا مع قرّائهم بما يستحقّونه من احترام هذا فضلا عن ظلمهم العظيم لنا .
لقد اجتمعت كلّ تلك الأسباب فاتّفقت الأهداف وتوحّدت الجهود من أجل العمل على : ـ الدّفاع عن الشّريعة البيضاء بأسلوب واضح ومباشر دون تلوّن أو ضبابيّة وفق مرجعيّة أهل السّنّة والجماعة فهي الضّامنة بعد الله تعالى على وحدة التّونسيّين من التّفرّق والنّزاع والإختلاف .
ـ السّعي أن يكون موقعنا نافذة حيّة لتجديد ما آندرس في الخضراء من ردّ الاعتبار للعلم الشّرعيّ ورجاله ، لأنّه لا سلطة على العلم .
ولذلك نلتزم أمام قرّائنا الكرام بأنّنا سنوصل إليهم ـ على قدر مستطاعنا ـ الحقيقة كاملة على أصول الإسلام الجامع ، راجين من الله الكريم أن يجعلنا من الّذين عناهم وزكّاهم الّنبيّ صلّى الله عليه وعلى آله و سلّم بقوله : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، و تأويل الجاهلين " رواه البيهقي في السنن الكبرى 10/209 حسنه العلائي والقاسمي في قواعد التّحديث، وصحّحه ابن الوزير في العواصم والقواصم 1/308 .
لقد هبّت بعض الأقلام تبشّر بإسلام معتدل على المحجّة البيضاء وعلى أصوله المجمع عليها من سلف الأمّة ، وكانت هذه الأقلام قلّة بين النّاس ، وهو لا يدلّ على نشاز أو عدم إصابة حقّ بل لغربتها كغرابة الدّين الذي تدعو إليه ، وهذه من طبيعة هذه الدّعوة التي يفوز أصحابها بدعوة الرّسول الله صلى الله عليه وآله و سلم لهم بقوله : " طوبى للغرباء : أناسٌ صالحون ، في أناس سوء كثير، من يَعصيهم أكثر ممن يُطيعهم " (صحيح رواه أحمد) ، فعادانا الكثير من النّاس ، و آَفتروا علينا ، و نبزونا بالألقاب ، لأنّنا أردنا أن نخرج الإسلام من طرفي صراع مرير بين سلطة مزوّرة ومعارضة محرّفة ، فلم نتعصّب لقول شخص معيّن مهما علا و سما حاشا محمّدا صلّى الله عليه وآله و سلم . أمّا من خالفنا فقد تعصّبوا لأقوال سادتهم وكبرائهم ـ وكانوا قد نهوا عن ذلك نهيا شديدا ـ فضلّوا وأضلّوا .
وإذا أراد العبد التّوفيق والفلاح فعليه أن يزن أقواله وأفعاله بميزان الشريعة، " وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي صلى الله عليه و سلم ، وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس ، فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول إذا قام يصلي من الليل : « اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » ؛ فإن الله تعالى قد قال فيما رواه عنه رسوله : « يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم " . الفتاوى 10/664-665 .
ولكلّ ما تقدّم ، فإنّنا نسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أن يوفّقنا لما يحبّه ويرضاه وأن يعيننا على هذا الأمر ، كما ندعو الجميع إلى مؤازرتنا في حمل هذه الأمانة التي يدعونا الواجب للنّهوض بها جميعا كما ندعوكم إلى التّواصل والدّعم والنّصح والتّوجيه ، ونكون لكم من الشّاكرين والدّاعين ، كما نلتمس منكم الدّعاء والدّعم والمشاركة الإيجابيّة ، ومن الله نستمدّ العون والتّوفيق . ومنه نطلب الهداية وعليه نتوكّل .
" إن الحكم إلاّ للّه عليه توكّلت وعليه فليتوكّل المتوكّلون " يوسف 67 وإليه يرجع الأمر كلّه فآعبده وتوكّل عليه" هود 123 "
خميس بن علي الماجري