القائمة الرئيسية
· الصفحة الرئيسية

     البحث



           تسجيل الدخول
اسم المستخدم

كلمة المرور

لم تسجل بعد؟ تستطيع التسجيل. بعد التسجيل يمكنك تغيير شكل الموقع, والتحكم في التعليقات وإرسال تعليقات بإسمك.

           مقالات سابقة
Saturday, July 03
· منهج
Sunday, June 27
· وذكّر
Wednesday, June 02
· قراءة في الأحداث
Sunday, May 30
· اخترنا لكم
Thursday, May 27
· قراءة في الأحداث
Monday, May 24
· وذكّر
Sunday, May 23
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· قراءة في الاحداث
Monday, May 17
· يحدث في تونس
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· منهج
Sunday, May 09
· حكمة الاسبوع
· عقيدة
· منهج
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
Saturday, May 01
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· المستقبل للإسلام
Friday, April 30
· مراجعات
· يحدث في تونس
· قراءة في الاحداث
Saturday, April 10
· وذكّر
Thursday, April 08
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· اخترنا لكم ممن راسلنا
Saturday, April 03
· منهج
· منهج

 مراجعات

السّلفيّة في تونس بين رحي السّلطة و حركة النّهضة2/1

 

خَمِيس بن علي الماجري

إنّ من المعلوم بالسّياسة بالضّرورة في تونس أنّ السّلطة هناك بحكم طبيعتها الشّموليّة المنغلقة والمتطرّفة لا تتحمّل المنافسة السّياسيّة كما لا تقبل بتاتا المزايدة الدّينيّة ولذلك تعرّض التّديّن في تونس منذ أن تسلّمت تلك السّلطة البلد من فرنسا إلى عقوبة بشعة وانتقام شرس تناقص مع الزّمن حتّى بروز الصّفة السّياسيّة للصّحوة الإسلاميّة الأولى منذ 1981 .

لقد عظم حجم كرب المتديّنين و بلغ أشدّه بعد انتخابات 1989 وشاعت ثقافة الطّعن في الدّين من جهة ، كما شاعت ثقافة الهبوط كانت نتائجها كارثيّة على شعبنا تبيّنها بشاعة الجرائم وانتشارها وسيادة الخوف والرّعب والضّيق الّذي يعيشه النّاس في البلد إلى درجة أن أصبح ذبح التّونسيّ لأخيه في الشّوارع وفي وضح النّهار أمرا عاديّا ...

لقد اختزلت السّلطة كما هي طبيعة الأنظمة الشّموليّة الإسلام في مسائل العبادات ، بل حتّى العبادات عودي أهلها . فزوّرت دولة " التّجفيف " الدّين تحت حجّة التّحوّلات الإجتماعيّة ، و حاربت الصّحوة دون ذنب ، تحت عنوان " تونسة التّديّن" لأنّها مشرقيّة المرجعيّة والتّوجّه ، وآدّعت أنّ الصّحوة الجديدة ماضويّة ومنغلقة .. وهذا ما يوضّح بكلّ جلاء أنّ السّلطة لها مشكل مع الإسلام ذاته تصوّرا وإلتزاما. وهذه هي المشكلة في حقيقتها : المستهدف هو الإسلام في عقائده وأخلاقه ونظمه ومن يعبّر عنه من تمثّل عامّ في أشخاص ومؤسّسات فضلا عن أفكاره المتحرّرة من الأهواء والشّبهات ، وأنّ اللاّفتات الّتي ترفعها السّلطة من هنا وهناك في تبنّيها للإسلام، ما هي إلاّ تضليلات ..

ومن ثمّ لا تعجب من خطب المدح الغربيّة لهذه الخطّة، لما قدّمته من خدمات عظمى لهم ، وآخرها ما جاء على لسان رومسفلت الأمريكي.

إنّ حجم الاستهداف الّذي تعرّض له الخلط بين تجفيف الإسلام في تونس وبين المواجهات الأمنيّة الّتي لحقت الصّحوة لم تعرفه دولة في الأرض، ولو استعملت السّلطة الجهد كلّه ، أو قل ربعه لمحاربة التّخلّف وتحقيق التّنمية لتفوّقنا على ماليزيا وأندونيسيا ! ولكن أنّى لها ذلك وقد آستأصلت عبر ردم منهجيّ ومنظّم للينابيع المتنوّعة والّتي من أهمّها إستهداف أفضل رجال تونس خلقا وإدارة لكلّ معارك التّخلّف .

إنّ العدوان الّذي لحق بالتّديّن في تونس خرق كلّ الشّرائع والقوانين والقيم والأعراف . وإنّ السّلطة الّتي جعلت بتهوّكها الموضوع الإسلاميّ في قلب المعركة السّياسيّة في تونس وهي تريد أن تبعده عن ذلك ، لتستفزّ التّونسيّين لتجيّش كلّ مسلم في العالم ضدّها ، لأنّها آفتعلت عداوات كانت في غنى عنها مع كلّ مسلمي العالم ، وجلبت لنفسها السّخط من " منظّمات حقوق الإنسان الدّوليّة " ، وأسّست لعنصريّات التّفريق بين النّاس في أرض الخضراء حتّى لكأنّها جعلت من المسلم الملتزم في درجة متخلّفة أمام متساكنه الملحد أو اليهودي أو النّصرانيّ. و ذهبت تخلط الأمور ، فتعدّى مكرها إلى الإسلام ذاته : عقائده ومناهجه وذهبت تتّهم الإسلام أنّه قرين التّطرّف والإرهاب بل هو الّذي يصنع ذلك.. وما تغيير مناهج التّعليم السبّاقة في سنة 1989 إلاّ دليلا صارخا على ما أقول ...

إنّ القيادة العاقلة هي الّتي تحرص دائما على أن لا تصادم شعبها ، خاصّة في أعظم مقدّساتها وثوابتها ، وهي الّتي لا تنسى أبدا أنّ التّحكّم في خصوصيّات الإنسان تزيد في إبعاد الشّقّة بينها وبين شعبها وتزيد في تعميق الرّفض لها ، هذا فضلا عن نفاذ الأمر القدري في كلّ ظالم . وهل هناك ظلم أعظم من منع دولة لآمرأة أحرمت للحجّ بلباس حرصت على التّمسّك به بعد تمام مناسكها ؟؟؟


إنّ محاصرة الحجاب واللّحية وغيرهما إنّما هي ظواهر الأشياء وسطحها، والجوهري الأساسي لهذه المسائل هو الدّافع الإيديولوجي والثّقافي الّذي أفرز هذه المحاربة وأحكمها . ودليلي على هذا القول هذا الخطاب الكاشف عن حقيقة هذه السّلطة : " ويمثّل إلغاء تعدّد الزّوجات بمقتضى قانون الأحوال الشّخصيّة وإقامة نظام الزّوجة الواحدة تعبيرا آخر عن مبدأ المساواة بين الرّجل والمرأة . وقد أصبح تعدّد الزّوجات ـ الّذي كان هو المظهر أكثر فجاجة وظلما لعدم المساواة بين الزّوجين ـ جنحة يعاقب عليها القانون الجنائيّ وفضلا عن ذلك فإنّ الزّواج الجديد باطل ". من تقرير الحكومة التّونسيّة المقدّم إلى الأمم المتّحدة والمتعلّق بالمعهد الدّولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة بتاريخ 18 ماي 1993... ولا يمكن أن يفهم من هذا النّصّ الواضح الدّلالة الصّارخ العبارة إلاّ ـ في أحسن أحواله ـ تعقيبا على حكم الله تعالى . إنّ خطّة "التّجفيف " كلّها لها باطن ولها ظاهر ، وإنّ ما صدر منها علنا إنّما هي ظواهر الأشياء وسطحها وسقفها ، وقد بيّن هذا النّصّ بما لا يدعو مجالا للشّكّ الدّافع الإيديولوجي لواضع هذه الخطّة ، بل لتعاملها مع كلّ الإسلام عقيدة التّونسيّين منذ أربعة عشر قرنا ...

لقد أخطأ العبقريّ الأمني في مواجهة عقائد النّاس، وما أفلحت مشاريع سلخ الإسلام من البلد، وقلع العقيدة من قلوب التّونسيّين، فطاشت كلّها كفقاقيع الصّابون، وذابت كالثّلج، فما أفلحت أفلام الإباحة ولا التّشجيع على الفاحشة ولا مسك العصا الغليظة. لقد أبطل الله عزّ وجلّ المشروع الأمني ورمى به في الجحيم. { بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ممّا تصفون } .

إنّ الاٌعتداء على حقوق الله تعالى في أن يعبد كما رسم في كتابه وسنّة نبيّه والاعتداء على محض حقوق النّاس في الشّكل والمظهر حجابا أو لحية أو لباسا ليعدّ من أعظم عدوان السّلطة على الإسلام ، وهذا وحده كفيل بتوسيع دائرة الغضب الشّعبي التّونسيّ ومزيد انتشار التّديّن من جديد . وسبحان الله الّذي يغرس الحقّ بفعل المبطلين ، حيث جعل عزّ وجلّ من أسبابه القدريّة أن ينصر هذا الدّين بمكر الفاجر ...

إنّ خطّة تجفيف المنابع بان فشلها من خلال تضخّم ظواهر الانحراف الأخلاقي البشع الّذي لامس كلّ طبقات الشّعب وأعظمه الذّبح أمام مرأى النّاس ، أومن خلال فساد السّلطة في كلّ ميادينها ، فجاءت رياح صحوة جديدة تريد أن تصحّح المسيرة ، أتمنّى لها أن تؤسّس على علم وتقوى و وتجرّد من أطماع الدّنيا ...

إنّ ما يسمّى بخطّة تجفيف ينابيع التّديّن لئن نجحت إلى حين في إبعاد خصم سياسيّ للسّلطة ، فإنّها كانت منطلق صحوة جديدة مطلوب منها أن تستوعب دروس من سبقها .. إنّني أتمنّى من هذه الدّولة :

ـ أن تتوقّف عن خلطها بين الأمور ، وأن لا تكون مسكونة بالحرابة ضدّ شعبها الأعزل الهارب من جحيم الضّنك والفوضى والفارّ إلى ربّه ليرسم له طريق الخلاص ..

ـ أن تتخلّص من الهوس الأمني ولا تقرأ التزام الشّباب بأنّه ثورة عليها أو خروجا عنها ...

ـ أن لا تنتقم من الصّحوة الجديدة تحت دعوى مقاومة التّطرّف ومحاربة الإرهاب أو غير ذلك من الشّعارات الرّائجة التي تخدم أجندة الغزاة .

ـ أن تعقل الدّولة وتفيق من سكرة إستئصال التّديّن ، وتجفيف الفكر والقيم بهدف حصر الإٌسلام في مرحلة تاريخيّة إنتهت منذ قرون . ولتعلم سلطة التّجفيف أنّها لن تقدر على ذلك المبتغى ، لأنّ ذلك وهم عظيم وطيش وعناد سبق وأن جرّب ذلك في بلاد الإسلام وخاصّة في البلاد الشّيوعيّة فلم يجنوا إلاّ الدّمار . إنّه قد تبيّن لكلّ ذي عينين أنّه لم تنفع جميع الأساليب الّتي استقوت بها السّلطة في إيقاف تديّن النّاس والشّباب منهم خاصّة .ولقد تبيّن لها أنّ خطّتها كلّها انهارت على رأسها .قال تعالى: { قد مكر الّذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السّقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون .} 26 سورة النّحل .

لابدّ أن تلغي الدّولة هذا المنهج الجائر ، وتصرف كلّ تلك الجهود الّتي تبذلها لمقاومة شبابها في تنمية البلد ، عبر مصالحة مع تديّن النّاس ورفع يد الدّولة عن التّحكّم في عقائدهم وأفكارهم ومظاهرهم وأزيائهم ومعيشتهم وأرزاقهم وغير ذلك من الحقوق الأساسيّة لكلّ تونسيّ ، وأن يسلكوا منهج الإمام مالك رحمه الله تعالى ـ إن كانوا مالكيّين ـ في رفضه أن تفرض السّلطة السّياسيّة نمطا إسلاميّا معيّنا على النّاس .

وإنّني على يقين أنّه لو ترفع السّلطة يدها عن تحكّمها في تديّن النّاس وتترك لهم حرّيّتهم في ممارسة حقّهم في التديّن: تعلّما وعملا ونشاطا دعويّا وثقافيّا ...فلن تر من شعبها إلاّ المكافأة بالحسنى لأنّ أبناء الوطن الّذين خاصموها لمّا رأوها تعارك دينهم ، فإن بدّلت السّلطة سياساتها فستراهم خدمة للبلد وسنشهد أنّ جزءا مهمّا من الاشتباك الحاصل اليوم بين الشّعب وبينها سينحلّ بإذن الله تعالى !!!...

إنّ الدّولة الّتي تصادم عقائد النّاس وتلاحق صالحيهم ، وتصنع واقعا متفجّرا ، وتضغط على عقول النّاشئة لا بدّ أن تتهيّأ لفشل ذريع على كلّ المستويات ، ولتعلم أنّها لا يمكن أن تشهد تنمية أو تقدّما وهي تحارب العبّاد !!فكيف تشهد تنمية وهي تفرّق بين شعبها لمجرّد الالتزام بالدّين !

و من المعلوم أنّ المسألة الإسلاميّة في تونس تشهد صراعا بين قطبي النّهضة والسّلطة . تقدّم الأولى تحت ضغوط ، إسلاما " مشوّها " وتقدّمه الثّانية "عقيما " ...

وحتّى لا يبقى الإسلام يعاني بين الطّرفين ، لا بدّ من معالجة صحيحة يخلص بها من تجاذبهما السّياسيّ . لقد تعرّض الإسلام في تونس إلى عمليّة آختطاف وتوظيف لصراع سياسيّ مرير بينهما، انتهى بخسارة الجميع شعبا ومعارضة وسلطة ، خسر شعبنا الدّين الحامي، وخسرت السّلطة الممعنة في التّوحّش والفوضى ثقة شعبها ، وصدمت الأمّة في إسلاميّين هبّوا يوما وقالوا إنّهم سيحقّقون طموحات شعبهم .

إنّ الإسلام لا يمكن أن يتحمّل أخطاء النّاس ولو كانوا يعملون له ، ولا يمكن أن يخضع للابتزاز أو للانتهاز من طرف أحد . وعليه فنرفض أن يعدّل من أيّ كان تحت أيّ نوع من الظّروف ، كما نرفض كذلك أن تعاقب السّلطة الإسلام – دين الشّعب – لأنّ فريقا من النّاس راحوا يعارضونها به .

لذلك لابدّ أن يعمل العقلاء عامّة وطلبة العلم منهم خاصّة على تحييد الإسلام من " الرّحي " بين الطّرفين . وأن يعملوا على حفظه من محاولات التّأويل والتّحريف والتّركيب والتّوليف والتّشويش والاحتراف حتّى يبقى صافيا نقيّا كما نزل ، يزيلون عنه ما علق به من تحريف السّلطة ، وتشويه المعارضة . دين عدل بين ظلمين ، ووسط بين تطرّفين ، وهدي بين ضلالتين ، وحقّ بين باطلين ، واستقامة بين اعوجاجين ، وحنيف بين بدعتين ، بسيط بين تعقيدين ، فطريّ بين مركّبين ، و سيّد بين آحتكارين، و مرجع للطّرفين ، وحكم للمتنازعَين..

انّ السّاحة التّونسيّة تعاني أزمة فكريّة غثائيّة حادّة أفقدت توازنات النّاس ، فصار الدّخل ، وثار الدّخن ، وضعفت البصيرة ، وعزّ اليقين ، وقلّ التّوكّل ، وندرت السّنّة ، وفرّخت البدعة ، وعمّ الدّجل ، وآنتشرت الخرافة ، وتكاثرت مظاهر السّحر والشّعوذة.

إنّ أخطر شيء على الأمّة تزييف دينها . ومن نافلة القول التّأكيد على أنّ البلد قد تفشّت فيها الأمّيّة الدّينيّة بمكر من السّلطة وبتفريط من مغامرات النّهضة ، وانّ السّاحة التّونسيّة تعاني أزمة فكريّة غثائيّة حادّة أفقدت توازنات النّاس ، فصار الدّخل ، وثار الدّخن ، وضعفت البصيرة ، وعزّ اليقين ، وقلّ التّوكّل ، وندرت السّنّة ، وفرّخت البدعة ، وعمّ الدّجل ، وآنتشرت الخرافة ، وتكاثرت مظاهر السّحر والشّعوذة ، وعظم الكرب ، وضاق الحال ، وانتشرت الفوضى والفساد في البرّ والبحر، وتوسّعت الجريمة ، وشاع الفقر ، وجاع النّاس وضاعوا ، ورتع المضلّون المضلّلون في البلد وباضوا وفرّخوا وصفّروا ، فتقاطر على كلّ ناعق منهم أعداد كبيرة من ناس الخضراء، شيبها وشبابها ، ليعقدوا لهم أديانا باطلة، أو ينتحلوا لهم نحلا محاها الإسلام من الخضراء منذ قرون. وعليه لا بدّ من هبّة جادّة للذّود عن حمى الشّريعة، وللدّفاع عن شعبنا العزيز الّذي خضع لعمليّة تدمير كامل يشمل كلّ مستويات الحياة والمعاد !!

إنّ البلاد – لا قدّر اللّه - مقبلة على فتن عظيمة لم تعرفها تونس الحديثة من قبل .فتن التّحارب الإسلامي الإسلامي إن لم يتفطّن إلى ذلك المعنيّون . وهذا المكر يعدّ له ويخطّط باللّيل والنّهار من طرف تحالف الآستئصاليّين الفاسدين من الأمن البائر واليسار الانتهازي الفاجر. وعليه فلا نجاة من ذلك على حدّ قول الشّيخ محمّد الطّاهرابن عاشور- رحمه اللّه - إلاّ بتدقيق أوضاعنا الذّهنيّة وبضبط المدلولات الفكريّة وبتخليص معاني الشّريعة من الاشتباه والالتباس .

وإنّ حركة النّهضة التّونسيّة ، لم ترتق بعد إلى مستوى المحنة الّتي يعانيها شعبنا الأعزل وإلى مستوى التّحوّلات الخطيرة الّتي شهدها مجتمعنا بعدما خلا الجوّ لمشروع التّضليل .ولا يزال القوم يصرّون على عدم التّعاطي مع القضايا بإبعاد العقيدة والتّخلّي عن مطالبها ..

والأمّة في كلّ مكان بمن فيهم الصّحوة الجديدة في تونس تقاوم ، ونهضة المهجر لم تستطع أن تقاوم كمشة من أعداء الشّريعة بل مازالت تراهن على تلك النّخبة العلمانيّة الفاسدة في إصلاح الأمور وكأنّها يئست من شعبها ، وما معاداتها للصّحوة الجديدة وآتّهامها بالإنغلاق مرّة وبالتطرّف أخرى وبالمشرقيّة وبالتّكفير أطوارا ، جريا على ركوب موجة محاربة التّطرّف والإرهاب وآستقواء بالأجنبي للتّدخّل في حلّ مشاكل البلاد .

إنّ الغلوّ في شريعتنا الغرّاء مذموم في كلّ شيء ، ومنه الغلوّ في مسمّى المصالح الذي يعتمد عليه المراهنون على الإصلاح الأمريكي . إنّ الشّيطان الّذي يتناساه السّياسيّون يدخل الفساد على النّاس عامّة من باب التّحسين للأشياء ، وما دخل الشّرك إلاّ من باب الغلوّ في الصّالحين، وما دخلت البدع إلاّ في قالب الحرص على الطّاعة ،وغير ذلك.. فالعصرانيّون الّذين يحلو لهم أن يسمّوا أنفسهم وسطيّين أدمنوا في الرّضا عن أنفسهم وتزكيتهم لمنهجهم المتحلّل . فهم وحدهم المعتدلون وغيرهم يصكّونهم بأحكام سياسيّة إقصائيّة وإستئصاليّة . وهذا ما يكشف عن عصبيّة حزبيّة منغلقة مغرورة بوهم أنّهم دائما على الحقّ وأنّهم الفرقة النّاجية والطّائفة المنصورة وأن من شذّ عنهم شذّ إلى النّار . قال الأستاذ الغنّوشي وهو يخاطب من بقي معه: والمهمّ أن نستيقن أنّنا على الحقّ على طريق خدمة وطننا وامّتنا وديننا . رسالة عيد الفطر تونس نيوز 13 / 11 / 2005 وهذا من قبيل زعيمه القائل :" فدعوتكم أحقّ أن يأتيها النّاس ولا تأتي أحدا ... إذ هي جماع كلّ خير وغيرها لا يسلم من النّقص !!" ص 232 مذكّرات الدّعوة والدّاعية للشّيخ حسن البنّا . و قال القرضاوي وهو يزكّي منهجه الوسطيّ ـ زعم ـ على أنّه هو الإسلام الصّحيح :" الإسلام الصّحيح كما دعا إلى ذلك المجدّدون الأصلاء جمال الدّين والكواكبي ومحمّد عبده ورشيد رضا وإقبال وحسن البنّا " .. من أجل صحوة راشدة للقرضاوي ص101

إنّ الغريب ، أنّ نهضة المهجر التّونسيّة تريد أن تجعل لها شرعيّة أمريكيّة عبر صناعة وتضخيم عدوّ الجميع"، سلفيّة متشدّدة ومتطرّفة مشارقيّة منغلقة . وهذا لعمري مسلك إنتهازيّ ممقوت ومرفوض. لأنّ الخلق العظيم يلزم كلّ مسلم أن يفرح بهذه العودة المحمودة للصّحوة الجديدة في تونس ، وأن ينتصر لها ، وأن يأخذ بيدها

إنّ الغريب ، أنّ نهضة المهجر التّونسيّة تريد أن تجعل لها شرعيّة أمريكيّة عبر صناعة وتضخيم عدوّ الجميع"، سلفيّة متشدّدة ومتطرّفة مشارقيّة منغلقة . وهذا لعمري مسلك إنتهازيّ ممقوت ومرفوض. لأنّ الخلق العظيم يلزم كلّ مسلم أن يفرح بهذه العودة المحمودة للصّحوة الجديدة في تونس ، وأن ينتصر لها ، وأن يأخذ بيدها ، وأن يعينها عملا بقواعد الإسلام المقرّرة بوجوب نصرة المسلم عامّة والمستضعف خاصّة ، والوقوف مع المظلوم ، وعدم التّخلّي عن الأخ في كلّ الأحوال وفي التّعاون على البرّ والتّقوى والإعتصام بحبل الله والإجتماع على الدّين وان لا نتفرّق فيه وأن لا نتحزّب أحزابا ولا نتفرّق جماعات وشيعا ...بل إنّ الخلق العظيم يفرض على نهضة المهجر أن ترتقي إلى تحمّل أخطاء هؤلاء الشّباب وتحمّل الأذى عنهم ـ إن حصل منهم ذلك ولا نعلم أنّ ذلك قد حصل ـ . كان بين إبراهيم بن يزيد النّخعي والحجّاج عداء ، فأمر الحجّاج رئيس شرطته بالقبض على إبراهيم وإيداعه السّجن فأنطلق رئيس الشّرطة إلى منزل إبراهيم بن يزيد التّيمي لا النّخعي خطأ . فقبض عليه وأودعه السّجن، وأذيق في السّجن ألوان العذاب . ولمّا قيل له : لماذا لا تخبرهم بأنّك إبراهيم بن يزيد التّيمي ولست بالنّخعي؟ قال : ما كنت لأرمي به في العذاب وهو بريء لأنقذ نفسي !!!

إنّ المسلك النّهضوي مسلك مناقض لما يرفعونه من شعارات ومخالف لشرعنا العزيز. فهم يوادّون اليسار الذي حادّنا زمنا طويلا، وحاربنا ، وتحالف مع السّلطة ، ووضع خطّة التّجفيف ، وذبحونا ذبحا بليغا ، ونال من الإسلام نيلا عظيما، وأثخن في شعبنا إلى العظام ، والنّهضة لا تريد أن تزعجهم أبدا وهم يعلمون إنّهم يتمالقون ، ثمّ إنّ العلمانيّين مستعدّون أن ينقلبوا في أيّة لحظة، بمناسبة أو غيرها . لقد والت النّهضة قوما ظلمونا ، ومن أعان ظالما سلّطه الله عليه، ومن رضي البيات في عرين الذّئب فلا عجب إن افترسه يوما.والله تعالى يقول :ولا تركنوا إلى الّذين ظلموا فتمسّكم النّار وهل ثمّة ظلم أعظم من أنّهم يعادون شرع الله تعالى من وكلّ وجوهه ؟؟؟ وطبيعيّ من قوم تخلّوا عن العقيدة أن يوادّوا العلمانيّين و يعادوا الصّحوة الجديدة المؤمنة الّتي تريد حمل الأمانة ، بل تقاضيهم بمفردات الحرب على الإرهاب . وقد نسّوا في خضمّ العفس السّياسي قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :" القضاة ثلاثة : إثنان في النّار وواحد في الجنّة " ! وقد يقضي القاضي في ربع دينار فيدخل بذلك إلى النّار. فكيف في عقائد النّاس وأسمائهم ! فهل يمكن أن نقول يتركون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإيمان لتهمة أنّهم ليسوا نهضويّين !!!

إنّ النّهضة تخلّت عن صحوة بريئة ولم تنتصر لها كما انتصروا للعلمانيّين والشّيوعيّين بل قدّموا إخوانهم قربانا من أجل قبولهم الطّرف الإسلاميّ "الوسطيّ" . لقد أذلّ هؤلاء الوسطيّة الشّرعيّة الصّامدة على الدّين كلّه ، والمقاومة لكلّ انحراف عنه ، المتميّزة بالشّهادة على العالم بالحقّ ، العادلة في أحكامها بالقسط ، المتمسّكة بالشّريعة الكاملة والمهيمنة ، وبذلك تشهد هذه الأمّة على كلّ الأمم لمقاومتها لا لتميّعها ، ولثباتها لا لتلوّنها. { وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدا } لقد تعامل الأستاذ الغنّوشي مع الصّحوة الجديدة بمنهج تبنّيها أوّلا ثمّ محاولة الإلتفاف عليها عبر دعوتها إلى تبنّي فكرها في نصح مغشوش ، حيث دعاها أن تقرأ إلى " مشائخ و مجدّدي" حركته في مقاله منذ البدء كان الدين حركة شباب . بل دعا حركته إلى أن تتحمّل مسؤوليّتها في رعاية هذه الّصحوة ، ولكنّ الأستاذ ـ مع الأسف ـ كان أوّل من خرق تلك الدّعوة حيث عمد ـ غفر الله له ـ إلى طعنها في الظّهر حيث لم يثبت ـ كعادته ـ على تلك المواقف، بل سرعان ما آنقلب عليها فهاجمهم ، وفجأة خاصمهم و" صنع منهم عدوّا للجميع " في مقالات له متعدّدة فجعلهم غولا مرعبا مخيفا فهم بتعبيراته : أصوليّون ،إستئصاليّون ،غلاة ، خوارج ، متشدّدون ، متطرّفون ، مشارقيّون ، غير عقلانيّين ... وهلمّ جرّا وبدأ يدخل كلّ تلك المصطلحات الّتي ترضي الأعداء في تحليلاته السّياسيّة ، ويقحمها قسرا للإبتزاز السّياسي ، فكأنّه يقول ـ مع مكتبه السّياسي ـ فإمّا نحن " الوسطيّون " وإلاّ الآخرون " أعداء الجميع " .

لقد كان في الثّمانينات من أكثر النّاس تحمّسا لترشيح المشارقة إلى قيادة العالم فقد جعل ـ ولا يزال ـ من الخميني والبنّا والمودودي قيادات للأمّة وزعماء الإصلاح في القرن الماضي ، ولم يجعل من بينهم مغربيّا واحدا !!! كما لا يخفى عليك حضرة القارئ الكريم تماهي الغنّوشي في التّرابي وما أبعد الأخير عن المغرب الكبير ...

أمّا اليوم وفي خضمّ الحرب الصّليبيّة على الإسلام العقائدي يركب النّهضويّون هذه الموجة لإرضاء الغازي الأمريكي فآستجابوا لطبيعة المرحلة الجديدة المعركة الكونيّة ضدّ السّلفيّة ، فسقطت نهضة المهجر في تداول العملة أكثر رواجا الّتي يسوّق لها قوى الإحتلال : التّشدّد والتّطرّف والتّكفير لآستباحة كلّ الحرّمات تحت عنوان الحرب على الإرهاب ، فآنطلقوا ينالون من الصّحوة الجديدة طمعا في فتات من مائدة الرّأسمال السّياسي .

إذا أرادت نهضة المهجر أن تكون، وأن تستعيد ثقة شعبها، وان تسترجع مصداقيّتها، فلابدّ أن تتخلّص من هذا الخطاب فلقد عدّ السّلف الكلام المذموم أعظم من شهادة الزّور. درء تعارض العقل والنّقل 3 / 384.

إنّ المرء ليعجب من التقاء مصالح النّهضة مع السّلطة في مقاومتهما للفكر والتّديّن المشرقيّين وقد جاء ديننا كلّه من الشّرق ، والتّونسيّون من أربعة عشر قرنا يدينون بإسلام مشرقيّ : عقيدة قديمة للأشعريّ الشّامي ، ومذهب مالك المدني ، وقراءة قالون المدنيّ ..ثمّ إنّ المرء ليستغرب من تصريحات من يسمّون أنفسهم الوسطيّين وفقهاء الواقع ، إذ كيف يريدون أن يقفوا سدّا منيعا أمام عالميّة الإسلام .

إنّ العمل السّياسي لنهضة المهجر، متميّز بخطاب متلوّن و مشحون بعداوة الشّباب المكابد وجريء على الموحّدين، وليّن مع العلمانيّين، وناعم مع الطّغاة . فلقد رأيت منظّر الصّحوة الأولى ينال من الصّحابة ومن الأجيال المفضّلة من أهل السّنّة بالتّنقّص والطّعن . حيث أشار كم مرّة باللّمز والهمز إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وإلى أبي بكرة رضي الله عنه لروايته حديث لن يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة ، والى خاله الملك المجاهد صهر النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وكاتب وحيه – رضي اللّه عنه-. فآنظر – يا رعاك اللّه – ماذا يقول في خاله الصّحابيّ الجليل :" الوالي المنشقّ معاوية بن أبي سفيان، وقد غلبت عليه - غفر الله له - شهـوة الملك وعصبيّة القبيلة، فلم يكتف بأن انتزع الأمر من أهله بل ومضى في الغيّ لا يلوي على شيءٍ حتّى صمّم على توريثه كما يوّرث المتاع لابنه وعشيرته، فجمع في قصّته المشهورة ثلّة من المرشّحين للخلافة من الجيل الثّاني من الصّحابة، وأمام ملأ من النّاس قام أحد أعوانه يخطب بصفاقة... وحيـنئذ بدأ مسلسل الشّر والفساد، مكرّساً الدكتاتوريّة والوصاية والعصمة، مقصياً الأمّة عن حقّها، مبدّداً طاقتها في جدلٍ عقيم حول الخلافة والاستخلاف ....." . هكذا يعامل الغنّوشي بعض أصحاب النَّبِيّ- صلّى الله عليه وآله وسلّم- ، فيسيء بهم الظّنّ ويطعن فيهم الطّعن العنيف دون إعتماد على دليل قويّ ، بل يحاكمهم بمناهج الغرب . هذا قول الأستاذ في خاله معاوية وذرّيته . في حين أنّ الّرسول صلّى الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذكر بني أمية بخير ، فهم الفاتحون ، والمحطمون لعروش الكافرين ودولهم فقال :" لا يزال هذا الدّين عزيزا منيعا إلى اثني: عشر خليفة كلّهم من قريش ". أخرجه مسلم في الإمارة حديث (1821) وأخرجه البخاري نحوه في الأحكام حديث (7222) وأحمد نحوه (5/87).وذكر النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ عهد الأمويّين رغم انّه ملكيّ ولكنّه رحمة فقال : " أوّل دينكم نبوّة ورحمة ، ثمّ ملك ورحمة ، ثمّ ملك وجبريّة ، ثمّ ملك عضوض " رواه الدّارمي 2 / 114 .

كما جرّح الأستاذ – هداه اللّه – وتنقّص ممّن قال بمسألة الاستخلاف في الحكم ، وهو بذلك لا يتنقّص من الصّحابة فقط ، الّذين أجمعوا على ذلك ، كما فعل أبو بكر مع عمر ورضي بذلك الأصحاب الكرام ، بل برسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وهو على رأي كثير من أهل العلم أنّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم – أشار في كم من مناسبة وكم من حديث أن يخلفه أعظم أصحابه وأحبّهم من الرّجال إليه ..ويطعن الأستاذ ويتنقّص من فطاحل علماء الأمّة مثل ابن حزم الثّائر والغزالي وابن تيميّة وابن رشد وابن خلدون لأنّهم أجمعوا مع الأمّة على الاستخلاف . انظر الحرّيات العامّة ص163 . قال الأستاذ – هداه اللّه - : " ويشعر المرء بالقرف من استمرار هذا العفن قائماً في تراثنا الدّيني وفكرنا السّياسي، ويضع يده مباشرة على هذه الألغام التي قوّضت حضارة الإسلام وأسلمتنا إلى الانحطاط ، إنّه من غير ثورة شاملة تطيح بهذه السّموم التي لا تزال تجري في دماء الأمّة وتشلّ طاقتها وتجهض انتفاضتها، وتحبط أحلام نهضتها، فلا أمل في انطلاقة متينة قويّة قاصدة منتجة الحضارة من جديد في أمّتنا... فويل لتاريخ الازدهار من ليالي الانحطاط، هل نحن أهل لوراثة الخلافة الرّاشدة ونحن نلقي عليها بمزابل انحطاطنا؟ "الحريّات العامّة" ص162 . وقال : " فقد غدا الاستبداد طابعا مميّزا لها جميعا بل غدا مؤسّسة تعيد إنتاجه في مستويات مختلفة ... من تجربةالحركة ص 218 . وقال ـ وهو يتحدّث عن أخيار النّاس من القرون المفضّلة بنصّ النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : " فتنكّب عنها الأحفاد لأنّهم لم يكونوا في مستواها وقد أشربوا رحيق الأكاسرة والأباطرة وبقايا العصبيّة القبليّة النّتنة ، فأغشى أبصارهم ظلام القرون ... الحرّيّات العامّة ص163 .

قلت : ليس غريبا أن يقذف الأستاذ الصّحوة الجديدة ، وقد ذكرت لك ـ حضرة القارئ الكريم ـ بعض نصوص تمرّد الرّجل على ثوابت الأمّة ، بل طعن في أفضل ناسها بشهادة الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : " خير النّاس قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم..."

وقلت : سبحان الله ، كيف يشطّب الأستاذ بجرّة قلم واحدة مجد الأمّة الّتي دحرت الفرس والرّوم والتّتار والصّليبين وعاداها كلّها من أجل مسألة لا وجود لها في شرعنا المطهّر ، وقد جعلها أصلا من أصول الدّين وعقيدة للولاء والبراء ، خالف فيها المسلمين بميزان الهوى الّذي عدّله وضبطه بميزان قيم الغرب الدّيمقراطيّة . فبها حكم على أمّة الوسط العظيمة بالانحطاط والمزابل .. فاللّه المستعان !!! أمّا الحكّام المزوّرون ، والملوك الأحياء الّذين آستخلفوا وورثوا الحكم ولدا عن والد أو عن الإستعمار ، ولم يرفعوا للإسلام راية ، بل كانوا حربا عليه ، فكم من مناسبة يخاطبهم بصفة الملوكيّة والمدح والتّعظيم والإجلال ، فها هو يقول في محمّد السّادس دون أن أعلّق :... وهو ما تنبّه إليه الملك الشّابّ .. أمّا فصيل التّوحيد والإصلاح فقد قاد عمليّة نوعيّة واسعة لتطبيع علاقة الحركة الإسلاميّة في المغرب مع العرش العلويّ الّذي يتميّز عن كلّ أنظمة المنطقة المغاربيّة بحرصه على آستمداد شرعيّته من الإسلام والانتساب إلى العائلة النّبويّة الشّريفة . من مقال له : الخطاب الدّيني في المغرب العربيّ. وقال : " ـ في ملك الأردن ـ : جلالة الملك الحسين ... وحتّى جلالة الملك الحسن الثّاني ... المتوسّط س 1 ع 12 ص 3 بتاريخ 17 /08/ 1993. و يمدحهم كم مرّة أمام العالم على القنوات الفضائيّة، و يحلّ ضيفا عليهم يأكل ممّا يأكلون ويشرب ممّا يشربون ، بل قد يدعى لأداء مناسك الحجّ من طرفهم فلا آغبرّت له ساق ولا شعثت له رأس .

وهل هؤلاء الّذين يمتدحهم وصلوا إلى السّلطة بالإنتخابات الدّيمقراطيّة الّتي يموت عليها ومن أجلها : لقد دافع بآستماتة يائسة و بائسة على مجلس الحكم في العراق وهو المنصّب من طرف الغازي الصّليبي !

وقال في طاغية اليمن وحليفه المهزوم :" فنحن نشهد لعلي عبد اللّه صالح وحليفه الاشتراكي بالسّبق و الرّيادة... المتوسّط س 1 ع 12 ص 3 بتاريخ 17 /08/ 1993. وقال لطاغية الجزائر زروال : إلى الأخ الأمين زروال رئيس الدّولة الجزائريّة .. لقد أغراني بالكتابة إليك نزاهتك ونظافة يدك وعمق وطنيّتك ، وهي عملة نادرة في مستوى النّخبة ... أيّها الأخ الرّئيس ... من رسالة له بتاريخ 08/02/ 1994 . وقال :" أمّا ليبيا فالحالة الثّقافيّة فيها هنا تشبه على نحو ما الحالة الموريطانيّة في أنّ البلدين لم يشهدا قطيعة بين التّراث والحداثة فحتّى الوثيقة المرجعيّة للدّولة الكتاب الأخضر يحتلّ فيها الاسلام موقعا مهمّا ، واللاّفتات في كلّ مكان تعلن أنّ القرآن هو شريعة المجتمع .. الخطاب الدّيني في المغرب العربي.

وقال :" المجدّد القائد العلاّمة المجاهد الشّيخ حسن التّرابي ، وإلى قائد الثورة الإسلاميّة المعاصرة الإمام الخميني ،و... يتمتّع بتأثير معنويّ هائل فيطاع طاعة تامّة ويتصرّف في خمس المال – مجلّة المعرفة س5 ع 2 بتاريخ 12 /02 / 1979، وهكذا يمدح لصوصيّة الخمس وصوفيّة الطّاعة ويجعلها شرعة ومنهاجا وقد غاب عنه أنّ هذه لصوصيّة الاحتراف الدّينيّ يرفضها العقل السّليم وليس فيها نصّ شرعيّ بيّنها اللّه عزّ وجلّ في قوله { يا أيّها الّذين أمنوا إنّ كثيرا من الأحبار والرّهبان ليأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل اللّه }. التّوبة 34.

ولو رأيت الأستاذ كيف يحترم ماركس ولينين وكاسترو رؤوس الكفر العالمي ، فيقول: " وليس ماركس ولا لينين وكاسترو – مع الآحترام لهم - نحن مع العمل المشترك . وقال في الطّاغوت بوتن :" ألم يصنع الرّئيس الرّوسي بوتن سابقة إذ طلب العضويّة الشّرفيّة في منظمّة المؤتمر الإسلامي . وذلك ضمن قراءة نافذة للمستقبل ، وفي تواضع بعيدا عن طموح مغرور " .. من مقال الغرب والدّيمقراطيّة والإسلام ..... وكيف يبكي آن ماري شمّل المستشرقة الألمانيّة ، وقال فيها ما قال ضدّه في الصّحابة – وهو لا يعلم هل ماتت على الكفر أم على الإسلام ؟ :" علاّمة الإسلاميّات الكبيرة الفقيدة...ولم تكن تعوزها روحيّة وفدائيّة العلماء المجاهدين ..السّيّدة العظيمة كالطّود الأشمّ...الرّاحلة النّاسكة المتبتّلة... فحقيق على المسلمين... أن يمجّدوا ذكراها وأن ينشروا آثارها ومآثرها في العالمين... حركة النّهضة... ترفع تعازيها إلى أسرتها وزملائها و... وواللّه لا أذكر انّه ترضّى عن معاوية مرّة واحدة – وقد عشت معه ردحا من الزّمن – في حين أنّه يترضّى عن الضّال الخميني ويعزّي الإيرانيين في آبنه أحمد ويترحّم عليه ويتضرّع إلى اللّه .... تونس الشّهيدة س 1 ع 22 ص 8 بتاريخ 17 / 3/ 1995.

وكيف يبكي صديقه القوميّ اليمنيّ جار اللّه العمر ..وكيف يبكي على من جاء بالأمريكان إلى العراق ..... وابن علي رئيس دولتنا ...وأمريكا لها شرف ... وأمريكا صاحبة إصلاح وخطّطت لجعل العراق منارة الشّرق الأوسط تهدي الحائرين إلى أنوار وبركات الدّيمقراطيّة الأمريكيّة ... والشّرف الأمريكيّ. من مقال له بعنوان من دلالات الحدث التّونسي موقع تونس نيوز رقم 1507

إنّ الرّجل فاته الأدب مع الصّحابة جميعا بمجرّد طعنه في أحدهم . ومعاوية ستر من هتكه فقد هتك بيت الصّحابة جميعهم .. ولكنّ الرّجل سبق وأن خانه الأدب مع الأنبياء كذلك في طعنه في بعضهم . واليك الأدلّة

فقد إتّهمهم بالفشل في أمر لم يكلّفهم به اللّه تعالى في الجمع بين الإصلاح العقائدي و السّياسي فقال " وهو تعبير صارخ عن فشل مهمّة الجمع بين الإصلاح العقائدي و السّياسي معا." الحركة الإسلاميّة ومسألة التّغيير ص 25 ..قلت ولعلّ هذه التّقليعة أثر من غرس الخميني القائل : " لقد جاء الأنبياء جميعا من أجل إرساء قواعد العدالة ، لكنّهم لم ينجحوا . حتّى النّبيّ محمّد خاتم الأنبياء الّذي جاء لإصلاح البشريّة لم ينجح في ذلك ".من خطاب ألقاه في ذكرى مولد المهدي في 15 شعبان 1400 هجري .

وقال الغنّوشي : " وموسى أجاب قومه بغضب ...ومات حسيرا .." وقال في سليمان قولا لم أجده حتّى في كتب الإسرائيليّات " وسليمان قتل خيله وجيشه ." نفس المرجع.

وهكذا ينال الأستاذ من الأنبياء عليهم السّلام بنيله من سليمان و موسى ، أسوة بشيخه الرّوحي المجدّد الضّال الخميني ، ويحرّف مهامّهم فيجعلها تحقيق الحرّيّات قال :" إنّ تحقيق وحفظ الحرّيّات العامّة يعدّ الهدف الأساسي من بعثة الرّسل " مقاربات في العلمانيّة والمجتمع المدني ص 21 . أمّا الأمّة والشّعوب المسلمة البسيطة الّتي لم تصب بالدّخن فتقول بقول القرآن المبين ، أنّ الهدف الأساسي من بعثة الرّسل وخلق آدم وإنزال الكتب هو توحيد اللّه تعالى وأن لا يشرك به شيئا قال تعالى {ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولا أن آعبدوا اللّه وآجتنبوا الطّاغوت} . النّحل 36

وآنظر كيف ينال من مخالفيه المتمسّكين بقول جمهور الأمّة في إشارات النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لآستخلاف أبي بكر :" قوّل أدعياء التّسنّن على نبيّهم ، فأوّلوا إنابته لأبي بكر في الصّلاة على أنّه آستخلاف ... الحرّيات العامّة ص 162

ولو رأيته كيف يقسو ـ في حماس طائش ـ على من قال" إنّ المرأة خلقت من ضلع أعوج " تسليما لما ثبت عن النّبيّ المعصوم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وجعله تأويلا " يكرّس تبعيّة المرأة للرّجل على الصّعيد الاجتماعي وانمحاء شخصيّتها وذوبانها في شخصيّته وتكريس التّميّز والأفضليّة على أساس الجنس ". المرأة بين القرآن وواقع المسلمين ص 15 .ويذهب إلى تأويل النّصوص الحديثيّة النّبويّة حتّى تتلاءم مع نضال الحركة النّسائيّة المعاصرة ،بل حتّى يزايد بها على بورقيبة المعقّد . آنظر إلى نفس المرجع .

ولو سمعته في دروسه المسجديّة العامّة كيف كان يحرّض البنت الصّغيرة أن تضرب أخاها دفاعا عن نفسها متى ضربها ! فما رأيك لو تنشأ البنت التّونسيّة على ضرب الرّجال ! فتصوّر حجم الكوارث الّتي ستحصل في ظلّ نظام إضطهد فيه الرّجال أمام تبجّحه أنّه ساوى بين الجنسين ، بل وحّررها من إستبداد الرّجل .

ولست أدري ماالّذي جرّ الأستاذ إلى إنكار نصوص واضحة الدّلالة ويلوي أعناقها إلاّ للمزايدة على بورقيبة الّذي آجتمعت عليه عقد عظيمة ليدّعي كذبا انّه حرّر المرأة . كما كان ولا يزال يتنقّص من علماء الأمّة السّنّة وينال منهم تماما كما يفعل الشّيعة فقال : " قاموا بصفقة تاريخيّة لهم الشّريعة والحكّام لهم السّلطة . الحركة الإسلاميّة والتّغيير ص 30 . والوفاق التّاريخي بين العلماء والحكّام . نفس المرجع ص 31 ...

كما ذكر أنّهم وظّفوا من طرف الحكّام وجعلوهم أدوات للاستبداد . قال هداه الله : "... متّخذة من الدّين ومؤسّساته وعلمائه مجرّد أدوات تستخدم عند الحاجة ...وكانت محنة الإسلام وعلمائه عظيمة مع هذه الدّولة فآختار بعضهم المعاضدة للحكّام جريا على عادة علماء الإسلام..." ونسي أنّ سادة العلماء إمتحنوا من طرف من يشبهه في فهم الإسلام كالمعتزلة وغيرهم !!!

وقد ذهب كذلك بعيدا في منهجه السّياسي المتفلّت من الشّريعة ، المزهوّ بالكلام ، حين شبّه الله تعالى بالمخلوق وهو يرمي بالألفاظ العظيمة دون نظر في مدلولاتها أتصيب أم تخطئ ! فقال : " نظام الحكم في تونس ينتمي إلى أعتى الدّكتاتوريّات ذات العلامة المميّزة من مثل تنظيمه انتخابات يضمن فيها نجاحه المتكرّر بالنّسب الخياليّة 99،99 في المائة الّتي لا يمكن أن يحصل عليها حتّى الأنبياء . بل ربّ العزّة ذاته لم يبلغ المؤمنون به قطّ هذه النّسبة . أقلام أون لاين س 1ع 2 أكتوبر2001 .وقد كان بالأمس يقول : ثقتي في الله وبن عليّ !! قارن أخي القارئ بين هذه الأقوال وبين ما قاله في السّلف وفي بعض الصّحابة وفي فشل الأنبياء وفي العلماء الطّراطير المتواطئين وفي تشبيه ربّه بخلقه وغير ذلك كثير والله تعالى هو الهادي إلى سواء السّبيل

أعذرني قارئي الكريم عن هذه النّقول القليلة فما أردت إلاّ أن أشير إلى منهج الرّجل في تطييش الكلام وتنقّصه من الآخرين ، وكثرة تنقّلاته وتلوّنه في دينه ، وعظم تناقضاته ، وفي تحريفه في فهم الشّريعة ، ومن نيله من الأخيار ، ومن تعظيمه للأشرار ، ومن فعل ذلك فقد جعل نفسه عرضة للخصومات . ولقد حذّر السّلف الفاضل من هذه الفتنة . فقد جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى :" من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التّنقّل ." رواه الدّارمي رقم 310 والآجري في الشّريعة ص56 والبغوي في شرح السّنّة 1/217 .

إنّ الّذّي صدر عن نهضة المهجر في حقّ الصّحوة الجديدة ليعدّ حقّا تفلّتا أخلاقيّا ، حيث حكمت على صحوة جديدة بالتّطرّف والإنغلاق والمشرقيّة وغير ذلك ممّا يشينها بما صدر من مظهرهم أو بما جاءهم من بعض المسجونين عنهم في قبور الطّغيان ، فكيف يحاكم عاقل صحوة إعتمادا على أقوال بعض المساجين الّذين قد نجد لهم أعذارا وقد وجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمن عاداه فقال إنّهم لا يعلمون !!!

لتنته نهضة المهجر ومنظّرها خاصّة عن هذا الخطاب القائم على الكبر والغرور وتنقّص المخالف وتشويهه فضلا عن خطاب الإستقواء باليسار أو مدّ طوق نجاة للسّلطة كي تذبح الصّحوة الجديدة ...

إنّ لسان حال نهضة المهجر بمسلكها " الإبتزازي " الخاطئ مع الصّحوة الجديدة في تونس باتّهامها بالإنغلاق والتّطرّف والمشرقيّة كأنّه يقول: إقبلونا نحن الوسطيّين الذين طوّعنا الإسلام لمحاور العصر و الحداثة ، وإلاّ فإنّ المتطرّفين الحرفيّين المشارقة البدو قادمون وإنّهم سيتنكّرون للمكاسب الحداثيّة لحركة النّهضة وسيهدّدون السّلم الإجتماعي الّذي حافظنا عليه مع جميع المتعايشين .

إنّ العاقل ليستغرب من إدانة نهضة المهجر للصّحوة الجديدة في حين أنّنا لم نر منها بعد إنتاجا فكريّا أو زعيما أو برنامجا أو منافسة ، خاصّة وهي تعاني وتكابد من أجل الإلتزام بالحدّ الأدنى من التّديّن ، إلاّ إذا رضيت نهضة المهجر أن تحاكمها على ذلك .

وإنّ الذي يلفت الإنتباه حقيقة أنّ حركة الّنهضة وهي ضحيّة الإستئصال والقمع تذهب في إستئصال إخوانها المخالفين من أجل القبول بها وحدها ، ومن سعى بالمنع كمن دعا إلى القمع.

وإنّ المرء المتّزن ليعجب من قوم يقبلون بشرعيّة الشّيوعيّين إذا آختارتهم " الدّيمقراطيّة" في حين أنّهم يرفضون إخوانهم دون جرم إقترفوه و لم يطرحوا أنفسهم بعد بديلا أو منافسا لهم !!! فهل يليق أن لا تجد نهضة المهجر ملجأ لحماية نفسها أو طريقة لجلب مكسب حزبيّ لها إلاّ بالتّضحية بالأخوّة الشّرعيّة وجلب الضّرر لشباب طريّ ورفع راية أنّهم الخطر على البلاد وأنّ الجحيم آت !!!

إنّ ما صدر من قيادة نهضة المهجر على الصّحوة الجديدة ليعدّ من قبيل الأحكام السّياسيّة المتسرّعة والغير المبرّرة المخالفة لمنهج العمل السّياسي الشّرعي المصطبغ بالورع والعدل . ولقد شدّد الشّارع العزيز على تغليظ التّحريم في باب الأحكام على الأسماء والأديان ، فمن رضي أن يكون قاضيا فقد ذبح بغير السّكّين ، وفي الصّحيح :" من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين "الألباني / صحيح الترغيب / رقم2171 .

الخلط بين السّلفيّة والتّطرّف :

إنّ من نافلة القول أن نؤكّد على أنّ الإسلام يعادي التّطرّف في كلّ صوره وأشكاله ، بل قامت شريعتنا الحنفيّة المهيمنة على : الاعتدال والقصد والوسط والسّماحة والبساطة واليسر ورفع الحرج ودفع الضّرر ومنع الغرر وغير ذلك من الأمور المقرّرة بإجماع الأمّة في كتب الأصول .. وعليه فإذا قصد بالتّطرّف الفهم والتّمثّل المختلّينّ للشّريعة كالجنوح إلى التّشدّد والغلوّ ، فهذا ننكره لأنّه يخالف طبيعة ديننا السّمح ، وإذا جنح كذلك إلى التّساهل والتميّع والذّوبان فهذا إنحراف آخر يفضي إلى الإرجاء الجبري يجب أن ينكر عليه شديد الإنكار . وإذا تقرّر ذلك فإنّ كلاّ منهما يعدّ تبديلا لدين اللّه تعالى و تحريفا له. والإسلام الذي ندين به ربّنا نهانا عن ذلك أشدّ النّهي : {لا تبديل لكلمات الله} . 64 . يونس ما يبدّل القول لديّ . 2 ق .

لا بدّ من تحديد مفهوم التّطرّف ؟ كيف نحكم على المخالف بالتّطرّف ؟ ومن يحكم بذلك ؟ هل هي الحزبيّة السّياسيّة ؟ أم العلم الشّرعيّ ؟ وهل الّذي لا يلتزم بمنهجي لا بدّ ـ لأمر يراد ـ أن أرجمه كرها بالتّطرّف وأصكّه قسرا بالإنغلاق ؟ و هل ثمّة حقيقة تطرّف إسلاميّ في تونس ؟ وما هو حجمه ـ إن وجد ـ في مقابل التّطرّف العلمانيّ السّائد ؟

إنّ الخلط المقصود بين السّلفيّة والتّطرّف ما هو في الحقيقة إلاّ مكر وضعه الغزاة المحتلّون للتّضليل المتعمّد لتحقيق مآربهم وأطماعهم وإشباع أحقادهم بلا حدود تحت لافتة محاربة الإرهاب ، ولا يتبعهم في ذلك المسلك إلاّ " متواطئ " درى أم لم يدر. وإنّ اقتناص الفرص والتّهويل على الصّحوة الجديدة والتّشويش عليها والتّنفير منها أو التّحريض والإثارة من أجل إختطاف بعض المكاسب ولو تحقّقت ، فهي لم تركب سبيل الإستقامة والعدل، وهي بذلك لا تحقّق خيرا ولا بركة ولا تزكية ، ولا يجنى ثمرا لأنّ ما قام على باطل فهو باطل .

كما أنّه لا ينظر إلى الأحكام حتّى يعرف ممّن صدرت وفي حقّ من قيلت، ثمّ لا بدّ من دليل قويّ يستند عليه في الأحكام ، ثمّ لا بدّ من شهادة ورع عدل وإستقلاليّة تامّة لمن يتبوّأ بالحكم على النّاس .إذ " القول لا يصحّ لفضل قائله وإنّما يصحّ بدلالة الدّليل عليه "إبن عبد البرّ في جامع بيان العلم 2 / 118

إنّنا في سنوات الخداع ، وعليه فينبغي أن لا يعطى أيّ آعتبار في مثل هذا الزّمن إلى الرّويبضة . وبالتّالي لا شرعيّة لمن يحكم على المخالف بالتّطرّف دون حجّة إلاّ متطرّف مغال قاعدته كلّ من خالفني فهو ضدّي ، فمن يحاكم من ؟ فلا يحكم مبتدع على متّبع ، ولا حزبيّ على سنّي ، ولا جاهل على متعلّم ، ولا لاحق على سابق ، ولا عفيف على متملّق ، ولا متعالم على عالم ، ولا متشبّع بما لم يعط على من شهد له أهل العلم والفضل ، لأنّ من علم حجّة على من لم يعلم .

إنّ الأصل في الأشياء أن يقابل عظم التّحلّل من الشّريعة في تونس والتّحدّي لها ومؤسّساتها ورجالها بمثله من الجدّ في التّمسّك بالدّفاع عن الدّين كلّه دون تردّد وبكامل الوضوح والشّجاعة . وإنّ المتابع لنهضة المهجر في خطابها وأدائها يلحظ ـ مع الأسف ـ حرصها الشّديد على منهج الرّخاوة في عدم كسر علاقاتها الواهنة مع العلمانيّين والملحدين ، و تكتم الحقّ بل تلويه وتضرب الشّريعة بعضها ببعض ، حتّى أنّ زعيمها لا يدعو المسلمين في دولته القادمة إلى الصّلاة بل يدعو إلى حقّ الرّدّة وعدم تطبيق الحدّ على المرتدّ ،وعلى تولّي المرأة الإمامة العظمى ، وتولّي غير المسلمين المهام ّ العظمى كالقضاء ورئاسة الشّورى ، و يستعين بوسائل الملحدين دون حرج أو وخز ضمير في ذلك .. فإذا كان هذا حالهم ، فليس لهم من حقّ أن يتّهموا غيرهم بالتّشدّد أو الإنغلاق أو غير ذلك من الأحكام الخالية من الورع والّتي يشمّ منها المكر السّياسي .

لقد درج المتحرّرون منذ ظهورهم في بداية القرون الأولى بالطّعن في المتمسّكين بما عليه السّلف الفاضل. ولقد ذكر السّلفي المقاصدي الإمام الشّاطبي أنّ متحرّري زمانه الّذين ركبوا موجة المقاصد دون ضوابط ، كانوا يسمّونه بفقيه السّراويل لأنّه دمغهم بضبط المقاصد الشّرعيّة للسّنّة لا للأهواء ، وما فتئوا ينبزون السّنّيّين بالألقاب النّابية فسمّى الزّنادقة أهل الأثر بالحشويّة ـ أي بقلّة الفقه والفهم ـ ، وسمّى القدريّون أهلَ السّنّة مجبرة ، وسمّى الجهميّة أهلَ السّنّة مشبِّهة ، وسمّى الشّيعة أهلَ الأثر نابتة ـ أي الأحداث الصّغار...آنظر كتاب:عقيدة السّلف، للصّابوني (ت 449 هـ)، ص 304. وآنظر إلى تنزيه أئمّة الشّريعة عن الألقاب الشّنيعة لأبي إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشّافعي .

لتغيّر نهضة المهجر خطابها :

إنّ الحداثيّين الّذين يرجمون من خالفهم بالتّطرّف وبالبداوة والإنغلاق وغير ذلك من النّعوت المتنقّصة ويسيؤون الظّنّ بهم ولا يثقون في من خالفهم من إخوانهم يقدح لا شكّ في مصداقيّتهم ، حيث أنّهم يعطون الحقّ لقوى الهيمنة أن تحقّق أهدافها في ضرب العقائديّين ، وبذلك يتلطّخ الحداثيّون أمام شعوبهم سواء بقبولهم طرفا في الصّراع لتصفية المشرقيّ الوافد المخيف ، أو عندما يقبلون أيّ شكل من أشكال الدّعم من قوى الهيمنة ، أو بتنازلاتهم المذلّة و بانقلاباتهم على مبادئهم ، ليرضوا بالتّدجين والمحاصرة في سقف الخصوم ومربّعهم ، وسيؤكلون كما أكل أشباههم من قبل وستكون دائرة السّوء عليهم بعد أن خذلوا إخوانهم . إنّ هذا النّوع من الخطاب الإستعدائي المخيف الّذي أدمن عليه نهضة المهجر والّذي يتنقّص من مخالفيهم ويزدريهم ، بل ويستحلّ أعراضهم بالأحكام الباطلة ، للقيام بالواجب الدّيمقراطيّ وسط غابة وحوش العلمانيّين ، لينبئ عن غلوّ سياسيّ وتماهي حزبيّ على حساب ثوابت القيم ممّا ألحق بهم خسائر كبيرة نالت من مصداقيّتهم وشرعيّتهم .

وإنّ الخطاب الّذي تمارسه نهضة المهجر القائم على الإزدواجيّة الّذي ورّطها في تناقضات عديدة، والقائم على وهم المقاصد، دون ضوابط على حساب قدسيّة النّصّ والتّسليم له هو نفس الخطاب الّذي تمارسه كلّ العائلات السّياسيّة بمن فيهم الحزب الحاكم واليسار المتطرّف بأقدار، حيث أنّهم يدّعون دون استثناء أنّهم مسلمون مجتهدون.




 
     روابط ذات صلة
· God
· زيادة حول ردود
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن ردود:
مراجعات


     تقييم المقال
المعدل: 4.64
تصويتات: 17


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


     خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة






تأسّست بحمد الله وفضله في المحرّم 1428
كلّ مقال يعبّر عن رأي صاحبه وهو لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع


Conception XMMX Design - Seconde Hébergement