القائمة الرئيسية
· الصفحة الرئيسية

     البحث



           تسجيل الدخول
اسم المستخدم

كلمة المرور

لم تسجل بعد؟ تستطيع التسجيل. بعد التسجيل يمكنك تغيير شكل الموقع, والتحكم في التعليقات وإرسال تعليقات بإسمك.

           مقالات سابقة
Saturday, July 03
· منهج
Sunday, June 27
· وذكّر
Wednesday, June 02
· قراءة في الأحداث
Sunday, May 30
· اخترنا لكم
Thursday, May 27
· قراءة في الأحداث
Monday, May 24
· وذكّر
Sunday, May 23
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· قراءة في الاحداث
Monday, May 17
· يحدث في تونس
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· منهج
Sunday, May 09
· حكمة الاسبوع
· عقيدة
· منهج
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
Saturday, May 01
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
· يحدث في تونس
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· المستقبل للإسلام
Friday, April 30
· مراجعات
· يحدث في تونس
· قراءة في الاحداث
Saturday, April 10
· وذكّر
Thursday, April 08
· اخترنا لكم ممن راسلنا
· اخترنا لكم ممن راسلنا
Saturday, April 03
· منهج
· منهج

 مراجعات

براءة المالكيّة من الفتاوى التّحريضيّة الرّسميّة التّونسيّة

 الحلقة التّاسعة والأخيرة 


الشّيخ خَمِيس بن علي الماجري

هل مثل هذه الفتاوى الرّسميّة تحقّق نجاعتها؟

لقد عرفت تونس التّعايش بين المالكي والحنفي بل حتّى مع الأباضي فلماذا لا تصبرون  وتتعايشون مع شباب متمسّك بالسّنّة.

لا تعالج الصّحوة بمنهج الإلزام الأمني أو بفتاوى التّحريض والاستئصال، أو بما يسمّى القانون أو بالعصا أو بالعقوبات، فإنّ كلّ ذلك غير مجد، لأنّه لا يحقّق إلاّ أضرارا قد تطول المستضعفين في الدّنيا، غير أنّها قطعا ستنال الظّالمين في الآخرة، ولا شكّ أنّ إدخال الشّعب والدّولة في مثل هذه الصّراعات المرّة يعمّق التّخلّف ولن تشهد البلد تنمية في أيّ مجال من المجالات.

إنّ الإقناع هو الأجدر والأحقّ أن تسلكه مؤسّسة الدّين الرّسميّة لا منهج الإلزام والإكراه وفتاوى"التّحريض".

إنّ مثل هذه الفتاوى تكشف ضحالة الخطاب الرّسميّ وهشاشة بنية المؤسّسة الدّينيّة  الرّسميّة ممّا يجعلها عاجزة عن مواجهة الفكر بالفكر والحجّة بالحجّة، لعلمها مسبقا أنّها حتما ستخسر في هذا الميدان.

إنّ مثل هذه الفتاوى سيحكم عليها بالفشل مسبقا كما فشلت أخواتها من قبل، لأنّ الإكراه نوع من الاستعباد الذي ترفضه سنّة الخالق الذي خلق النّاس أحرارا.

إنّ النّاس وهم يشهدون انحلالا وتفلّتا وتسيّبا مبالغا فيه على مستوى الخلق والقيم في المجتمع التّونسيّ يرفضون يا فضيلة المفتي تدخّلها في مسائل تعبّدية روحيّة خاصّة، لأنّ النّاس في متعلّقات العقائد والرّوحانيّات يرفضون الإكراه مهما كانت صيغته ولونه وجهته ونوايا أصحابه.



إنّ الإصرار على التّحكّم في صفة صلاة النّاس ليس له مبرّر، لأنّه مشروع فتنة يقطّع أرحام التّونسيّين السّنّة، وإذا حصل هذا حصل إفساد دين أهل السّنّة ولو تدّثّر دعاته بالمالكيّة.

فالمقصود أنّه ـ ومع الأسف الشّديد ـ فقد انخرطت المؤسّسة الدّينية بشكل صارخ تعضد مؤسّسات الاستبداد في مهمّة" تجفيف ينابيع التّديّن" وأخذت تلك المؤسّسات تفتي للاستبداد فتاوى ملفّعة بمرط ينسبونها إلى المالكيّة ظلما وعدوانا وزورا لرمي الصّحوة الجديدة بقذائف الخروج على الدّولة بخروجهم على المالكيّة الرّسمّة، وكأنّ الأخيرة هي الدّين والدّولة، وهما معا العقيدة الإسلاميّة، من لم يلتزم بهما فقد خرج من الإسلام، وهذا وحده كاشف عن تعصّب طائش وضلال غارق في الجهل والظّلم.

 

تبعيّة المؤسّسة الدّينيّة للقرار السّياسي:

لماذا لا يتواضع النّاس للحقّ؟ لماذا لا تتواضع السّلطة للحقّ؟ إنّ الجدليّة المنطقيّة تدفع غير المتواضعين للحقّ أنّهم سيستعملون العنف والبطش ضدّ من يمتلك الحقيقة الرّسميّة.

إنّ المؤسّسات الدّينيّة التّونسيّة تخضع لأجندة السّياسي، وما هي إلاّ أداة تنفّذ خيارات السّلطة، وما فتوى السّيّد المفتي "الغير المبرّرة" إلاّ دليل على ذلك، وما القرار النّشاز الذي أعلنته وزارة الشّؤون الدّينيّة هذه السّنة في تعطيل فريضة الحجّ إلاّ خادم في نفس التّوجّه. فالسّياسة هي التي كانت وراء إلغاء حجّ سنة 1430 هجري لأنّه قد أصاب العلاقة التّونسيّة السّعوديّة توعّك صحّي منذ سنوات بسبب عائليّ "تافه حقير"، فلمّا جاءت مسألة فيروس( أي أتش 1 آن 1) جعلت تكئة لإلغاء فريضة الحجّ، فما معنى أنّ هذا الإجراء يتّخذ ضدّ التّونسيّين للذّهاب إلى أداء فريضة الحجّ، ولم يتّخذ نفس الإجراء في السّائحين الوافدين من العالم إلى تونس للتّنزّه والتّرفيه، وهم يحملون معهم فيروسات متنوّعة ومتعدّدة؟ والله المستعان!

الخاتمة

فالحاصل حضرة المفتي أنّ "فتواكم" هذه تصدّع وحدة أهل السّنّة، وقولكم في شباب ـ أراهم يتّصلون بوصلة صالحة تنتهي إلى نبيّهم ـ خطأ من الوزن الثّقيل، وفيه من الحساسيّة المفرطة ضدّ شباب يحتاج إلى التّفهّم والرّحمة، قد بيّنّا بطلانه من الوجوه التي ذكرنا، و أنّ العمل بالمسائل المختلف فيها لا يعدّ فتنة ولا أعلم من قال به، وإنّ من حقّ الشّباب أن يصلّوا بما ترجّح لديهم، ثمّ إنّ محاولات المؤسّسة الدّينيّة إلزام النّاس بالشّكل الموحّد للصّلاة فيه تهديد للدّين ودعوة إلى التّنازع والتّحارب وإشغال النّاس بما لا يلزم، ومحاولات إلزام الخلق برأي في المذهب من أعظم القدح العلميّ والطّعن في شخصكم وعلمكم، لأنّ هذا النّوع من الفتاوى يعدم الثّقة فيكم لخلوّها من الرّحمة والنّصح.

إنّي على يقين أنّ مالكا رحمه الله تعالى لو رأى شباب تونس التّوّاق للعمل بالسّنّة لفرح بهم ولشجّعهم على ذلك لأنّهم يتمسّكون بالسّنّة التي جاءت قبل أن يخلق الله مالكًا ومذهبه، ولأنّها مذهب الصّحابة الذين تلقّوها عن نبيّهم، وللسّنّة الفضل الأعظم والدّور الأكبر في تجميع الأمّة ماضيا وحاضرا  ومستقبلا.

إنّ إصدار مثل هذه الفتاوى في مناخ أمني جبري منغلق يفجّر الأوضاع خاصّة إذا علمنا أنّ الشّباب قد يدفعهم التّحمّس والتّهوّر إلى المغامرة.

إنّ الذي صدر عنكم حضرة المفتي لا يتناسب مع شباب يصلّي، ولا يفهم إلاّ أن يندرج ضمن سياسة ممنهجة تمارسها السّلطة لكلّ من خالفها في كلّ خياراتها، لأنّ محاولات حشر الشّباب في "المعارضة" يعدّ خطأ فاحشا، لأنّهم بكلّ بساطة ليسوا حزبا سياسيّا ولا تنظيما سرّيّا حتّى يواجهوا بهذه القسوة والشّراسة.

لقد أحدث قولكم ـ فضيلة المفتي ـ ألما شديدا وأذى عظيما في المؤمنين والمؤمنات، ولاشكّ أنّ من آذى مسلمًا فقد آذى الله ورسوله، وقد قال الله تعالى" وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا"114     

قال الشّيخ عبد الرّحمن السّعدي في تفسيره للآية:"وإن كان أذية المؤمنين عظيمة وإثمها عظيما ً ولهذا قال فيها" وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا " أي بغير جناية منهم موجبة للأذى " فَقَدِ احْتَمَلُوا " على ظهورهم " بُهْتَانًا "حيث آذوهم بغير سبب وَإِثْمًا مُبِينًا" حيث تعدّوا عليهم وانتهكوا حرمة الله باحترامها".

وفي الصّحيحين"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وفي البخاري"من عادى لي وليّا ً فقد آذنته بالحرب". وفي أبي داود وأحمد:"ما من امرئ يخذل امرأ مسلما ً في موطن ينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مؤمنا في موطن ينتقص فيه من عرضة وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يجب فيه نصرته". وقال:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" متّفق عليه. بل جعل المشرّع إذاية المؤمن الواحد مبطلا للجهاد، فكيف بمن لا جهاد له ويظلم الآلاف من الشّباب والشّابّات، فقال صلّى الله عليه وسلّم "من ضيّق منزلا أو قطع طريقا أو آذى مؤمنا فلا جهاد له"115.

 وفي الحديث المرفوع الضّعيف الإسناد، ولكنه يحسن إذا توبع"مَنْ أَكَلَ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَكْلَةً أَطْعَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِثْلَهَا مِنَ النَّارِ وَمَنِ اكْتَسَى بِمُسْلِمٍ ثَوْبًا كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِثْلَهُ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ قَامَ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَقَامَ سُمْعَةٍ أَقَامَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِثْلَهُ مَقَامَ سُمْعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

يا فضيلة المفتي، إنّ العاقل هو من لا يفسد أصول الدّين باصطناع الحروب في فروع الدّين. أَوَ تقدحون في الأصول ب"حفظ" الفروع. وهل يحطّم العاقل الأصول القطعيّة المتّفق عليها، من أجل الحفاظ على فروع خفيّة متنازع فيها؟ فكيف يقدح في الأصول لحفظ الفروع؟

 يا فضيلة المفتي لقد ضاع الدّين في البلاد. فماذا بقي منه؟ لقد ضاع حكمه وضاعت القيم وضاعت علوم الدّين وأقبرت الزّيتونة ولم يبق من الدّين إلاّ مساجد تشيّد ولا تعمّر.

 يا فضيلة المفتي اتّق اللّه عزّ وجلّ، ولا تجعلوا من فروع الفقه دينا ولا تجعلوا المالكيّة الرّسميّة عقيدة من خرج عليها خرج على الدّين وخرج على الدّولة.

يا فضيلة المفتي، إنّ الشّريعة حقوق كلّها، وأعظمها على الإطلاق حقوق اللّه تعالى وحقوق عباده، والدّفاع عنها إقامة للّدين وبذلك تحفظ الدّماء والأعراض والأنفس والأموال، وتعطيل هذه الحقوق تحت أيّ نوع من المعاني إخلال بالدّين وتحريض على الظّلم، وطعن في الحقّ ونيل من الشّرع.

أدعوك ـ يا فضيلة الشّيخ ـ ونفسي أن نتجنّب الأهواء وأن نحافظ على الاعتصام بالسّنّة فهي سبيل الرّحمة والجماعة والائتلاف، وهي حبل الله تعالى الجامع والمؤلّف بين التّونسيّين المسلمين، ولا نتفرّق عليها أبدا. كما أدعوك ونفسي أن نقبل بالخلاف في الفروع، وأن لا نخلط الأمور ولا نتعمّدها، فتوظيف الخلاف الفرعي في صراع سياسيّ وأمني لا يجوز أن تنخرط فيه المؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة لأنّه يجلب لها الفضيحة والعار.

اسمحوا لي ـ سعادة المفتي ـ في الختام أن أقول لكم: إنّ "فتواكم" الخالية من الرّحمة والنّصح والمخاصمة للعلم والعدل، لا أعتبرها تدور في دائرة الشّرع الحكيم، لمفارقتها الاستقامة الدّينيّة، وسقوطها في ظلمات طاغوت الهوى المرفوض جملة وتفصيلا. قال الإمام الشّاطبي:" فكلّ مسألة حدثت في الإسلام فاختلف النّاس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنّها من مسائل الإسلام وكل مسالة طرأت فأوجبت العداوة  والتّنافر والتّنابز والقطيعة علمنا أنّها ليست من أمر الدّين في شيء وإنّها الّتي عنى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بتفسير الآية وهي قوله" إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ"116، فيجب على كلّ ذي دين و عقل أن يتجنّبها. فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى ...وهو ظاهر في أنّ الإسلام يدعو إلى الألفة والتّراحم والتعاطف. فكلّ رأي إلى خلاف ذلك فخارج عن الدّين"117   

وبناء على كلّ ما سبق فإنّه يقتضي منكم فضيلة المفتي التّوبة ممّا صدر عنكم، والله المستعان!!! قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ" 118   

هذا ما بدا لي حضرة المفتي وأعتذر إن كنت قسوت في العبارة فإنّه بسبب ما قدّرت من خطورة تدخّلكم المثير في مسائل صغيرة ولتحاملكم الشّديد على أبنائكم ولشفقتي عليكم، ذلك أنّ الله عزّ وجلّ أمر أهل العلم ـ الذين تستقيم بهم الدّنيا والآخرة ـ بالعدل والإحسان و القسط ونهاهم عن المنكر والبغي والظّلم.

والكمال حضرة المفتي عزيز، هذا وإنّ خطأكم لا يوجب حرماننا من علمكم ولا هجر نصائحكم وتوجيهاتكم.

من أجل ذلك خاطبتكم سعادة المفتي ليتّسع صدركم لشباب حريص على السّنّة والتّمثّل بها، وأن تنزلوا إليهم وتحاوروهم بالرّحمة والحجّة والبرهان، ولا تحاكموهم من أعلى بالقسوة والتّقليد وشوكة السّلطان.

أرجو أن تجد هذه الرّسالة قبولا من طرفكم ولا صدّا أو مكابرة فلا تقرأ فتهمل أو تطوى ولا تروى، وأن يكون نشرها مساهمة منّا لإخماد أوار  فتنة تقع بين شعبي العزيز.

وإنّي على كلّ حال أراكم ـ إن شاء الله تعالى ـ في أوبة إلى العدل والإنصاف لأنّ الله عزّ وجلّ يحبّ العدل والإنصاف في كلّ شيء.

اعذرني ـ أيّها الوالد المبتلى ـ على هذه "الغضبة" التي قد يضيق منها مقامكم الكريم، والذي يشفع لي أنّها ليست غضبة لشخصي، ولكنّها غضبة مشفق على ديننا ثمّ على وحدة شعبنا، وواللّه لا أريد لكم إلاّ الخير أكثر مماّ أريده لنفسي ولشعبي العزيز.  

وصاحب العلم ـ حضرة المفتي ـ إذا راجعه من هو دونه من العلم، لم يقدح هذا في كونه أعلم منه، فقد تعلّم موسى من الخضر ثلاث مسائل وموسى أعلم من الخضر، وتعلّم سليمان من الهدهد خبر بلقيس وسليمان أعلم من الهدهد، وراجع سليمان داود، وداود أعلم من سليمان، وراجع بعض الصّحابة رسولهم، والرّسول صلّى الله عليه وسلّم أعلم منهم جميعا.

 

فضيلة الشّيخ، لم أقصد أن أجرّح أحدا، غير أنّ الحقّ أحبّ إلينا من كلّ شيء، والتّنبيه على ما يسبّب الفتنة هو واجب على كلّ مسلم. إنّه دين يا سيادة المفتي فلا يجوز اللّعب به، قال عبد الله بن وهب: قال لي مالك بن أنس:"يا عبد الله، لا تحملنَّ النّاس على ظهرك، وما كنت لاعباً به من شيء، فلا تلعبنّ بدينك" 119  

إنّه مع نبل التّمسّك بالسّنّة وعظم أداء صفة الصّلاة كما وردت عن رسول الله أقول إنّ هذه الاهتمامات بفروع المسائل من المشغلات عن المسائل الكبرى، وما هي إلاّ تلهية لما هو أهمّ لشعبنا الذي يشهد تحوّلات خطيرة ومدمّرة وددت أن يتدخّل المفتي في قضاياها، وأن لا تتلهّى مؤسّسة الدّين الرّسميّة بمثل هذه الملهيات.

لا بدّ من تحرير المذهب من إكراهات الحكم وضغط العوام وضيق المقلّدين واختطاف الأهواء. وليس للمفتي الحقّ أن ينكر على الشّباب تمسّكهم بصفة صلاة النبيّ فضلاً على أن يحكم عليهم أو يحرّض عليهم المتربّصين ويوغر صدور العامّة عليهم، أو ينحاز إلى طرف دون آخر، بل ينبغي أن يبقى فوق الجميع، يبيّن الدّين بدليله، وهذا وحده الكفيل الذي يجمع بين الشّعب ويصطفّ حوله حتّى يسود بين الجميع الحبّ والمودّة. وأنّ يوطّن الأنفس على قبول الخلاف في مثل هذه المسائل حتّى لا تفسد القلوبّ ولا تتفرّق الكلمة.

إنّه لا خيار للمؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة إلاّ أن تتخلّص من الخوف من الشّباب وأن تتواضع لهم وتجادلهم بالمنهج الشّرعي المتألّق، وإذا كان الشّرع العزيز أمرنا أن نجادل المشركين غير الظّالمين بالتي هي أحسن، فإنّ أكبادنا المتديّنين هم أولى بذلك حرصا على جمع الكلمة ووحدة الصّفّ والوصول إلى الحقّ ودفعا للشّرور والعداوة التي قد تحصل بالتّأكيد، لو اخترنا طريقا آخر غير الحوار العلميّ الهادئ الملجم بالوحي متوخّين أسلوب أحسن العبارة وألطف الإشارة ودون تهجّم أو تجريح أو شطط في القول دفعا لوساوس الشّياطين وتحريشهم بين المؤمنين وصدّا عن إفساد قلوب المؤمنين وشحنهم بالأحقاد والضّغائن.

وإنّه لا خيار للدّولة إلاّ أن تنتهي عمّا درجت عليه منذ تأسيسها على فرض رؤيتها للدّين وتدخّلها المفرط في حقوق النّاس، و لا بدّ أن تنتهي كذلك عن استخدام المالكيّة مرّة وتجاهلها مرّات، كما لا خيار لها أن تنتهي عن استعمال الرّدع والقوّة ضدّ حقّ شعب يضطهد من أجل تديّنه.

لا تعالج الصّحوة بمثل هذه الأساليب، والحلّ الحكيم هو التعقّل والاقتناع بالفشل الكامل لتجربة تجفيف التّديّن وأن تتوقّف الدّولة عن مواجهة الصّحوة، فإنّها لن تفلح، لأنّه لا يمكن لها أن تطفئ جذوة الإيمان في قلوب شعب مسلم، وإنّ الفزع إلى الحلّ الأمني خاسر وفاشل بكلّ المقاييس، لأنّ العقائد لا يمكن قهرها أو كسرها.

ولا سبيل للمعالجات العميقة والجادّة لمسائل الشّباب، إلاّ بالعودة إلى العلم الشّرعيّ  المؤصّل، والتّشجيع عليه، والحوار الجادّ والحكيم القائم على الحجّة والإقناع.

لقد حصرت المؤسّسة الدّينيّة اهتمامها بالجدل الفارغ، وظلّت منذ فبركتها تضيّع جهود وذكاء أهل علمها في مباحث كلاميّة وفقهيّة فرعيّة لا تجدي نفعا، في حين أهملت اهتمام الإسلام بقضايا العقيدة و الحقّ والخير والمساواة والعدل.

 

عجبت من المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة في تونس، وهي تخاصم شبابا يحرصون على اتّباع السّنّة، و لا تنخرط في إيجاد الحلول الدّينيّة لمشاكل البلاد المتراكمة والمستعصية.

 

إنّ أهل السّنّة هم أهل الجماعة وهم أشدّ النّاس حرصا على وحدة الأمّة، والاختلاف في فروع الدّين لا يؤثّر في جماعتها ووحدتها أبدا، فكم كان الاختلاف بين الصّحابة وهم خير القرون وأفضلها، وكانوا جماعة واحدة، وعلى هذا يجب أن نربّي أنفسنا وشعبنا على هذه المبادئ:

1 وحدة في الأصول وتنوّع في الفروع.

2 الاجتماع في الأصول واجب وفريضة والاختلاف في الفروع سعة ورحمة.

3  نشر ثقافة التّسامح وحسن التّعامل مع الخلاف وذلك بتوعية النّاس أنّ الخلاف واقع وموجود، وهو إنّما يذمّ إذا عارض قاطعاً من الدّين أو ضروريّاً منه، وأنّ أتقى النّاس وأعلمهم وهم صحابة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في زمنه وبعده وكذلك من بعدهم اختلفوا، وتفاوتت اجتهاداتهم، ولم يكن هذا سبباً لفرقة ولا اضطراب ولا فتنة، والأمثلة على هذا كثيرة لا تحصى منها: حديث:"لا يصلّيّنّ أحد العصر إلاّ في بني قريظة"، فاختلاف الاجتهاد يلزم كلّ مجتهد أن يأخذ بما أدّاه إليه اجتهاده، ويلزم مخالفه ألاّ يثرب عليه.120    

والواجب على الجميع الرّجوع إلى الحقّ، فالحقّ أحقّ أن يتّبع، والحقّ كما قال الفاروق الشّهيد "أبلج لا يخفى على فطن121"

و الموفّق لا يكتفي بمعرفة الحقّ، بل يجب أن يحبّه ويعمل به، لأنّه من أراد أن يحترم نفسه ويصون دينه فعليه أن يقبل الحقّ، ولا يدفعه الكبر والبغي والتّعصّب على عدم التّسليم له والانقياد إليه، ولا يجعل ولاءه للأهواء يعميه عن قبول الحقّ من أيّ كان، فانّ التّعصّب البائس والمصالح التّافهة هي الّتي أصبحت اليوم حكما في قبول الحقّ وردّه. قال ابن مسعود رضي اللّه عنه :" ومن أتاك بحقّ فآقبل منه وان كان بعيدا بغيضا، ومن أتاك بالباطل فآردده وان كان قريبا

حبيبا"122،  وقال ابن تيميّة: "وليس صلاح الإنسان في مجرّد أن يعلم الحقّ، دون أن لا يحبّه ويريده ويتبعه، كما أنّه ليس سعادته في أن يكون عالمًا بالله، مقرًّا بما يستحقّه، دون أن يكون محبًا لله، عابدًا لله، مطيعًا لله، بل أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه؛ فإذا علم الإنسان الحقّ وأبغضه وعاداه، كان مستحقًا من غضب الله وعقابه مالا يستحقّه من ليس كذلك، كما أنّ من كان قاصدًا للحقّ طالبًا  له ـ وهو جاهل بالمطلوب وطريقه ـ كان فيه من الضّلال، وكان مستحقًا من اللّعنة ـ التي هي البعد عن رحمة الله ـ  مالا يستحقّه من ليس مثله، ولهذا أمرنا الله أن نقول:"إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ"، و"الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" علموا الحقّ فلم يحبّوه ولم يتّبعوه، و"الضَّالُوْنَ" قصدوا الحقّ لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنّه مغضوب عليهم، وهذا حال النّصارى فإنّهم ضالّون"123.

هذا هو جانب من الصّورة الواضحة والصّادقة للوضع الدّينيّ في تونس، وكلّ من قال بخلاف ذلك فهو مزيّف ومخادع.

نسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أن يجعلنا ممّن ينظر بعين الإنصاف ويتبع الهدى دون اتّباع الهوى، ولا يقول على الله إلاّ الحقّ، ولا يلبّس على النّاس دينهم. وأن نكون ممّن يخدم الدّين، ولا يستخدمه، ولا تلهنا الدّنيا عن إيصال الحقّ إلى مستحقّه.

وصلّى الله على محمّد و على آله وصحبه وإخوانه.

 

كتبه الفقير إلى رحمة ربّه وعفوه: خَمِيس بن علي الماجري المشرف العام على موقع تونس المسلمة

http://www.tunisalmoslima.com

باريس في 11 ذو الحجّة 1430

1 / 12 /2009

 

ـــــــــــــــــــــــــ

 

1     ابن عبد البر في الجامع 2/ 91

2    ص 26

3   حديث حسن، أخرجه الترمذي 2654، والطبراني في  الكبير، 10019 وغيرهما، وانظر بقية تخريجه في التعليق على  فضل علم السلف لابن رجب ص 59 دار الأرقم بالكويت.

4    آل عمران 187

5    عقود رسم المفتي لابن عابدين ص 11، وانظر: شرح منتهى الإرادات (3/458 )، وصفة الفتوى لابن حمدان ص39  

6    إعلام الموقعين 4/185.

7    بواسطة طريق الوصول لابن سعدي نص117

8   إعلام الموقعين 4/177.

9   صحيح البخاري 7352، صحيح مسلم 1716.

10 مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/208-216 .

11  النّساء 105.

12  انظر إلى كتاب"إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين و الأنصار و تحذيرهم عن الإبتداع الشّائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار للإمام صالح بن محمّد بن نوح الفلاني "ص 26

13  انظر: جمع الجوامع 2/397، الإحكام للآمدي 4/236، إرشاد الفحول، ص 269.

14  المائدة 3.

15  الشّاطبي.الاعتصام 1/28.

16  المرجع السّابق 20/208، وانظر: مختصر الفتوى المصريّة 545،

17  الفكر السامي 3/230،

18  بواسطة الفكر السامي 3/230.

19  فتاوى ابن تيمية: 22 /356 .

20  القول المفيد، ص 17، 18.

21  التّوبة 31.

22  جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر  2/ 32، وابن حزم في أصول الأحكام 6/149

23  شرح رسم المفتي لابن عابدين ص 29

24  المجموع للنووي 1/ 63

25  إعلام الموقعين 2/302

26   الفكر السّامي 3/238

27  النّساء 65

28  النّور 63

29  الاعتصام 2/515

30  الاعتصام للشّاطبي ‏2/355

31   مدارج السّالكين ابن القيم: 2/293 .

32  رواه ابن عبد البرّ في الانتقاء ص35.

33  الإعتصام 1/  77.

34   الاعتصام 1/ 287 .

35   ابن وضّاح في البدع والنّهي عنها ص 32 ـ 33، والمروزي في السّنّة ص 13 رقم 26 ن وابن بطّة في الإبانة 1 ـ 299.

36   الاعتصام1/82 .

37   رواه الطبري في تفسيره12/85 .

38  الاعتصام 1/ 287  .

39   النّساء 32.

40  النّساء 65.

41   البقرة 256 .

42 الغاشية 22 .

43 المائدة  99 .

 44  النّحل 35.

 45 في مناسبتين، في النّور 54 و العنكبوت 18

46   الموافقات4/ 204.

47 جامع بيان العلم وفضله 2/993 .

48 مجموع الفتاوى 30/80،79.

49  ابن تيمية 35/387

50 شرح النووي على صحيح مسلم 2/24 .

51   مجموع الفتاوى 30/407 .

52 مجموع الفتاوى 30/80،79.

 53  أبو نعيم في  الحلية  6/332.

 54  البقرة. 

 55  مقدّمة الجرح والتّعديل لابن أبي حاتم ص 31 – 32 .

 56  الاعتصام 1/ 51 .

 57  الاعتصام 1/ 51.

 58  ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله 2/32 وابن حزم في أصول الأحكام 6/149.

59   شرح النووي على صحيح مسلم 2/24 .

60   القاعدة الخامسة والثّلاثون.

61   القاعدة الأولى.

62   الفقيه والمتفقه 1/435 .

63   آل عمران: 103 .

64   الشورى:13.

65   مجموع الفتاوى 14/159.

66   الصّواعق المرسلة 2/519 .

67   الفتاوى 4 / 137.

68  رواه اللاّلكائي 1 /94 ـ 95 ،رقم 136 ـ 137. ابن بطّة في الإبانة الكبرى 1/ 319 ـ 320 رقم 159 ـ 160.

69  النّور:63 .

 70  ابن العربي في أحكام القرآن 3/432، و الشّاطبي في الاعتصام 1/131ـ 132

71 رواه مسلم  في كتاب البر، وأبو داود  في الأدب، ورواه مالك  وأحمد  وغيرهم.

72  انظر الموطّأ. باب ما جاء في التّأمين خلف الإمام ح رقم 195.

73 رواه البخاري  

74  أخرجه ابن حبان في الصحيح

75 صحّحه الألباني

76 انظر إليه في كتاب الصّلاة، باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصّلاة، رقم 376، 1/159.

77  فيض الباري 2/255 ،  ونيل الفرقدين ص22

78 بتصرّف من كتاب "الحسام الماحق على كلّ مشرك ومنافق" للعلاّمة محمّد تقيّ الدّين الهلالي المغربي.

79 "أنّ النّبيّ كان يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرّسغ والساعد" أبو داود والنسائي وابن خزيمة 1/54/2 وصححه ابن حبّان 485 و"كان أحيانا يقبض باليمنى على اليسرى" النسائي والدارقطني بسند صحيح و"كان يضعهما على الصّدر" وهو مذهب إسحاق بن راهويه وأحمد ابن حنبل وهو ما رجحه القاضي عياض المالكي و الإمام الألباني عليهم رحمة الله. "راجع صفة الصلاة للألباني ص88".

80  النّساء 59.

81 البخاري والدّارمي.

82 النّور 63

83 النّور 54

84 الفتاوى 27/12

85 الفتاوى 24/202.

86 أخرجه البخاري ومسلم  و البيهقي في السّنن :2/26 .

87 انظر تفصيل ذلك في فتح الباري 2/220والمجموع 3/399.

88 انظر باب افتتاح الصّلاة ح رقم165.

89  انظر التّمهيد 213/9 و 221، وحاشية الرّهوني على شرح الزّرقاني 1 / 408

90  النّوادر والزّيادات1/170

91 البيان والتّحصيل 1/ 413 .

92 التمهيد9 /222

93 البيان والتّحصيل 1/ 413.
94
انظر مدوّنة الفقه المالكي وأدلّته للفرياني 1 / 350 .

95 معالم السنن 1 /26 .

96  الاستذكار:1/408 .

97 شرح مسلم 2 / 261 .

98  انظر  العارضة : 2/58 

99  انظر القوانين الفقهية.  ص 64

100 انظر شرح الزّرقاني على مختصر سيدي خليل ومعه الفتح الرّبّاني فيما ذهل عنه الزّرقاني للعلاّمة البنّاني . 1 / 370ـ 371

101 انظر مدوّنة الفقه المالكي للغرياني 1/350

أعلام الموقعين 2/376 102

103 النّساء 80 .

104 الرّوم  .

105  الأنعام 159

106 الكهف 28 .

107 الحجرات 7

108 غافر  35

109 الفتاوى 19/78.

110   الفرقان 29 .

111 الأحزاب:66-68.

112 درء تعارض العقل والنقل 5/317-318

http://www.tunisalmoslima.com/modules.php?name=News&file=article&sid=138 113

114  الأحزاب 58.

115 الصّحيح الجامع 6378

116  الأنعام 159

117 الموافقات 4/221 -222

118 البروج 10.

119 السّنّة للخلاّل 1/215، والحلية لأبي نعيم 3/320.

120 انظر في هذا شرح صحيح مسلم، للنووي، ص1139 .

121 الفتاوى 20/44.

122  الإحكام في فصول الأحكام 4/ 586،

123  الفتاوى 7/586 

 





 
     روابط ذات صلة
· God
· زيادة حول ردود
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن ردود:
مراجعات


     تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


     خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة






تأسّست بحمد الله وفضله في المحرّم 1428
كلّ مقال يعبّر عن رأي صاحبه وهو لا يعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع


Conception XMMX Design - Seconde Hébergement