براءة
المالكيّة من الفتاوى التّحريضيّة الرّسميّة التّونسيّة
الحلقة الثّامنة
استخدام الدّولة العلمانيّة لمالكيّة "مزيّفة" أمر لا يجوز أن يستمرّ،
وإنّ تحكّم السّياسي في الفتوى وزجّ الدّيني وتوظيفه في الأجندات السّياسيّة أمر
مقزّز، ولذلك جاءت الفتوى تسند شحن المحرّضين الذين يتّهمون الشّباب بالخروج على
الدّولة لمجرّد مخالفة المالكيّة الرّسميّة
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
أسئلة
المكر
فضيلة الشّيخ، لو أنّنا تبيّنّا السّؤال
الذي طرحه السّائل على سيادتكم لتبيّن لنا أنّه قائم على خلل منهجي ومعرفي، فلو
كان سؤاله مثلا:" أريد حكم الله تعالى في هذه المسائل التي طرحتها، وأريد
الحقّ فيما يخلصني أمام الله تعالى يوم القيامة ونحو ذلك، أو لو قال ببساطة: كيف
كان يصلّي رسول الله لكان خيرا له وأسلم، ولقلّ الخلل ولسقطت كثير من الأقوال التي
لا دليل عليها من الكتاب والسّنّة ولتوحّدت الأمّة.
فممّا جاء في كلامه
كذلك:" فرغم أن في الاختلاف رحمة في عمق أبعاده لكن الكفة الراجحة هي الاتحاد
والانضواء تحت مذهبية ومرجعية فقهية واحدة..."، وقوله:" لأنّ توحيد
أحكام العبادات بين النّاس من شأنه صدّ جميع التّسرّبات الخارجيّة".
فغاية السّائل ـ
فيما يظهر من كلامه ـ ، ليست هي مرضاة الله عزّ وجلّ وقبول طاعاته، بل هي"صدّ
جميع التّسرّبات الخارجيّة" وهو في ذلك كاذب لأنّه لا يقصد إلاّ
"التّسرّبات" الدّينيّة، أمّا الكرويّة والماليّة والغنائيّة والتّطبيعيّة
مع الكيان الصّهيونيّ فلا أظنّه يقصدها. ثمّ أليس أئمّة المذهب من مثل مالك والأشعري
و خليل والزّرقاني والبنّاني والقاضي عياض وابن رشد والقارئ الإمام قالون
من"التّسرّبات الخارجيّة" على حسب قوله، فهل هؤلاء تونسيّون؟ ولكنّ
المتعصّبة والمقلّدة جهلة ومتناقضون، والله المستعان!
وممّا يزيد من دهشة
العاقل أنّ طارح السّؤال الملغوم أستاذ في الشّؤون الإسلاميّة، فهذا "الوطنيّ
المربّي" للنّشء ومن مثله من المقلّدة والمتعصّبة لا يغارون على دينهم، بل يغارون
على مذهبهم ـ كما يرونه هم ـ ومن ثمّ تجدهم يعظّمون الموروث، ويعبدون الجمود، حتّى
صاروا حجر عثرة أمام العلم بدليله، وعقبة أمام الإصلاح بتأصيله.
فضيلة المفتي إنّ
السّؤال الذي طرح عليكم ملغوم، مخالف للأصول الأخلاقيّة والعلميّة للمذهب، لأنّ فيه سوء ظنّ
بالشّباب، وكأنّ السّائل لم يجد أن يحقد إلاّ على شباب المساجد، فشنّ عليهم
غاراته، ولم يضايقه الشّباب الشّارد عن ربّه والغارق في عالم الجريمة وعبادة الشّيطان
وغير ذلك من الشّرور والفساد، فلم يسألكم
عنهم، ومن المؤسف أنّ حضرة المفتي طاوعه في ظلمه وجهله، وانحاز إلى طائفته، وأجابه
إجابة لا تنفق إلاّ على من لا يعرف دقائق المذهب المالكيّ الذي لا يخالف السّنّة
الصّحيحة أبدا، ومن ادّعى خلاف ذلك وردّ السّنّة عدّ من المجانين.
إنّي أتحدّى السّائل
أن يستفتيكم ـ فضيلة المفتي ـ عن الفساد الذي ضرب الإدارة والإعلام والأسرة،
أتحدّاه أن يسألكم عن الحجاب الشّرعيّ الذي سبّب لمرتدياته اضطهادا أضرّ بسمعة
البلاد وجلب العار على نخبتها.
سعادة المفتي، كان الأولى
أن تجيب السّائل على سؤاله لا أن تحاكم الشّباب وتردّه إلى الأصول الجامعة لأهل
السّنّة والجماعة، والتي منها أنّ الخلاف في الفروع لا يضرّ، وأنّ التّنوّع في
إطار الرّحمة هداية والتّعدّد في إطار المحبّة سعة والانتماء إلى السّنّة واتّباع
النّبيّ هو الذي يجب أن يحرص عليه كلّ مسلم غيور على دينه حريص على وحدة شعبه
مصداقا لقوله تعالى:"وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ 31 مِنَ الَّذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ32
"104. وقوله تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ"105
لقد تعصّب السّائل
والمفتي للتّقليد و خرجا من البحث عن الحقّ إلى الفجور والتّراشق انتصارا لمذهبهما،
وتركا سبيل التّحقيق والإنصاف.
وبعد، فقد تبيّن
بعد هذا البيان الموجز أنّ حجج المتعصّبة داحضة وهي من جنس بيت العنكبوت، وإن أصرّ
النّاس على اتّباع المذهب وتقليده وترك السّنة، فإنّ هذا من دلالات الغربة التي
يرأس فيها الجهل.
الغيرة
على مذهب مالك وحصره في المسجد لا يلتقيان:
إنّ استخدام الدّولة
العلمانيّة لمالكيّة "مزيّفة" أمر لا يجوز أن يستمرّ، وإنّ تحكّم
السّياسي في الفتوى وزجّ الدّيني وتوظيفه في الأجندات السّياسيّة أمر مقزّز، ولذلك
جاءت الفتوى تسند شحن المحرّضين الذين يتّهمون الشّباب بالخروج على الدّولة لمجرّد
مخالفة المالكيّة الرّسميّة، ومن هنا تفهم مدح السّيّد المفتي لـ"العهد
الجديد" وتزكيته له دون مبرّر، فمخالفة فروع المذهب الرّسميّ ـ عند فضيلة
المفتي ـ هو من شأنه" إدخال الاضطراب ونشر الفتنة وزرع الخصام والتّشاحن
والحيرة ..... فبلادنا ….. تنبذ الفرقة والفتنة والخلاف
والتعصّب والكراهيّة. هكذا عرفت في القديم والحاضر وهي تنعم الآن بالاستقرار
والاعتدال ووحدة الكلمة في هذا العهد السّعيد عهد التّغيير المبارك ….. فلا يجوز
تعكير صفو هذا المناخ الطّيّب بإثارة الفتن و إدخال الاضطراب و الحيرة بين
المصلّين...".....
قلت: فأين حرّيّة
الشّباب في حقّهم في التّمسّك بالسّنّة، شكلا ومظهرا وصفة وصلاة؟ أين التّسامح
معهم حضرة المفتي؟ أم الحرّيّة والتّسامح فقط مع الرّافضة والنّساء الدّيمقراطيّات
والمشعوذين والسّحرة وبيوت الدّعارة المرخّصة بالقانون؟
أو جعلتم ـ فضيلة
المفتي ـ الانتساب إلى المذهب انتسابا إلى العقيدة، ومن صلّى على السّنّة ولم يصّل
على التّقليد يخرج من العقيدة وتفتعلون الخصومة مع السّنّة، والحال أنّ علماء
المذاهب كلّهم علماء سنّة، وكلّهم من أهل الحديث، جمعوا بين الحديث وبين الفقه،
وبين الحفظ وبين الفهم.
يا شيخنا إنّهم
شباب متحمّس للسّنّة ومتعطّش للعلم فلماذا تواجهونهم بهذه الشّدّة والقسوة.
نعم، قد يكون في
بعضهم غلوّ، فإنّ الواجب ـ لحماية الدّين والبلاد ـ أن تنزلوا إليهم وتجالسوهم
وتصبروا عليهم، قال تعالى:"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ"106 وقال:"وَتَوَاصَوا ِبِالحَقِّ وَتَوَاصَوا
بِالصَّبْرِ".
لا تجيّروا ـ فضيلة المفتي ـ لخيار سياسيّ معلوم فشله
مسبّقا، ألم تفشل سياسة تجفيف ينابيع التّديّن؟ فها هي البلد تشهد عودة عارمة
للشّباب إلى دينهم، وما ذلك كلّه إلاّ بفضل من الله تعالى وفضله:"وَلَكِنَّ
اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ"107
أخشى أن يتمسّك
المتعصّبة بمواقفهم لأنّي أخاف عليهم أن يحشروا في المجادلين في الدّين بغير علم،
قال ابن تيميّة في قوله تعالى:" يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ"108
" لا يجوز أن
يعارض كتاب الله بغير كتاب الله، لا بفعل أحد ولا أمره، ولا دولة ولا سياسة، فإنّه
حال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم"109
وليس لأحد أن يعارض
الحديث عن النّبيّ بقول أحد من النّاس وكلام رسوله:" وَيَوْمَ يَعَضُّ
الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ
سَبِيلاً 27 يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ
فُلانًا خَلِيلاً 28 لَقَدْ "أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ
جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً"110، وقوله:" يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ 66 وَقَالُوا
رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ 67
رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا
كَبِيرًا68"111 .
قال ابن تيميّة:"هذه
النّصوص فيها نصيب لكلّ من اتّبع أحدًا من الرّؤوس فيما يخالف الكتاب والسّنّة،
سواء كانوا من رؤوس أهل النّظر والكلام والمعقول والفلسفة، أو رؤوس أهل الفقه
والكلام في الأحكام الشّرعيّة، أو من رؤوس أهل العبادة والزّهادة والتّألّه
والتّصوّف، أو من رؤوس أهل الملك والإمامة والحكم والولاية والقضاء"112
لا أريد أن أفهم
خطأ: فإنّي لست ضدّ المالكيّة المتحرّرة، ولكنّني ضدّ المتعصّبين للمالكيّة
المزيّفة، الذين يعبثون بالمذهب ويخدمون أجندة ليست هي أهداف الإمام مالك لأنّه
بكلّ وضوح ليست المالكيّة علمانيّة.
فليست المشكلة في
مذهب مالك، وإنّما في المتعصّبين الذين عكفوا على عصور الجمود الفقهي والتّقليد
الأعمى لأقوال الرّجال، ورسبوا في اجترار لفقه غير محقّق، ولم يتعصّبوا للسّنّة التي
كان يتعصّب لها مالك.
إنّ السّاحة
التّونسيّة مرشّحة لتشهد فصلا جديدا آخر من فصول الصّراع المرير بين الشّعب
والسّلطة في التّعامل مع الدّين، ولذلك طرحت منذ ثلاث سنوات مبادرة تحت
عنوان"الإمام مالك رائد الإصلاح في تونس" تجدونها في موقع تونس المسلمة
على هذا الرّابط
113 تستهدف
إطفاء حرائق شرور الاختلاف، وتجميع كلّ التّونسيّين على أصول الإمام مالك
الحقيقيّة الجامعة، لعلّها تجنّب البلاد ما تنبّأتُ به من فتن قادمة لبلادنا لا
قدّر اللّه.
فالمقصود بعد
البيان، أنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع، وأنّ الحقّ الذي بدا لنا ـ كما أظهرناه ـ لا
يخفى على كلّ عاقل منصف، وأمّا من اتبع هواه وأشربه نرجو من الله لنا وله الهداية.
لماذا ينزعج
البعض من تديّن الشّباب؟
إنّنا نستغرب أن يظهر
فضيلة المفتي في مبحث فرعيّ بشكل متوتّر، والحال أنّه بان بينونة كبرى عن القضايا
الجوهريّة للوطن، وغاب غيابا كلّيّا على الخطر الحقيقي الذي يهدّد الوحدة
المذهبيّة والسّنّيّة التي ينفخ في كيرها نابتة الشّيعة الذين يطعنون في أصول
الدّين وثوابت الشّريعة ووحدة الأمّة.
فهل يشكّل تديّن الشّباب
في تونس خطرا على البلاد؟ دع عنك أنّهم يشكّلون خطرا على المذهب المالكيّ! هذا ما
نفهمه من خلال عمل المؤسّسة الدّينيّة ضدّ شباب مسالم فرّ من جحيم البعد عن الله عزّ وجلّ واحتمى ببيوت
الرّحمان حيث السّكينة والأمن، شباب طريّ يعتقدون ما تعتقدون ويعبدون الرّبّ الذي
تعبدون ويأتمّون بأئمّة السّنّة الذين تأتمّون.
لماذا تغضّ
المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة عن الشّباب الشّارد عن ربّه الواقع تحت شبكات
الجريمة والاغتصاب والقتل وعبادة الشّيطان والصّليب؟ لماذا تسكتون في وجه المدّ
الشّيعي والطّرقي والعبث الأخلاقي؟ لماذا تسكتون عن التّوسّع الإلحادي والشّيوعي والعلماني
الطّاعنين في كمال الشّريعة وتمامها وعزّتها وهيمنها؟
تعيبون شبابا طرّا
أعزّة
كراما
نوّر الله بصيرتهم والبصر
فهم بركات للبلاد
وأهلها
بهم يدفع الله البلايا عن البشر
يا شيوخ المالكيّة
الرّسميّة أقيلوا على شباب فارّ إلى الله
تعالى، فهل أخطأ هؤلاء الشّباب وارتكبوا من الجرائم حتّى أثرتم عليهم الطّامّة
والعامّة في مساجد محروسة بترسانات شديدة من سياجات "قانونية" وأمنيّة
لخنق حقّ التّونسيّ في التّديّن والنّشاط الدّعويّ.
ألم تتساءل
المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة لماذا لم تجد لها قبولا لدى الشّباب، فأقبل هؤلاء
على "التّديّن المشرقي" كما يروّج؟ لقد وجد الشّباب كتيبات وورقات
ومطبوعات كثيرة وميسّرة وبلغة مبسّطة سهلة، فتلقّوها بالاستحسان والقبول لأنّها مؤصّلة
مقنعة، في حين أنّ الكتب المالكية ـ إن توفّرت ـ هي لا تقنع الباحث عن الحقّ،
لأنّك لا تجد فيها إلاّ الفقه المحض والرّأي المجرّد، وقد خلا أكثرها من ذكر الدّليل،
وما كان هذا يليق بمذهب، أجمعت الأمّة على أنّ إمامه إمام في السّنّة والحديث...