براءة
المالكيّة من الفتاوى التّحريضيّة الرّسميّة التّونسيّة
الحلقة السّابعة
والذي أخذناه عن مشائخنا، مشائخ الزّيتونة ـ رحمهم الله تعالى ـ أنّ مرجع الفتوى المعتمد في جامع الزّيتونة ـ ردّ الله اعتباره ـ هو شرح الزّرقاني على مختصر خليل، وما استدركه وسلّمه البنّاني الفاسي، ولذلك اشتهرت عبارة لدى أهل علم بلدنا"القول ما قاله الزّرقاني وسلّمه البنّاني" وفي مسألة رفع اليدين قبل الرّكوع وبعده ومن القيام من اثنتين يقول البنّاني:" ... وقول الزّرقاني لا الرّكوع إلخ، هذا أشهر الرّوايات، والظّاهر أنّه يرفع عند الإحرام والرّكوع والرّفع منه، والقيام من اثنتين لورود الأحاديث الصّحيحة بذلك اهـ"
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
الرّفع
والرّفع ـ كذلك ـ سعادة
المفتي، له مستند في المذهب المالكيّ وإليك بعض الأدلّة التي جاءت في كتب
المالكيّة
ـ 1 حديث
ابن عمر الثّابت الصّحيح وفيه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا افتتح
الصّلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الرّكوع رفعهما أيضا كذلك"86. وزاد البيهقي في روايته" فما زالت تلك صلاته
حتى لقي الله ".
ورواه من الصّحابة نحو
خمسين رجلا منهم العشرة المبشّرون بالجنّة"87.
وأخذ به جمهور
العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم، هذا وليعلم أنّ كلّ الأحاديث المرفوعة
إلى النّبيّ في عدم رفع اليدين معلولة وضعيفة.
أمّا مالك فقد ثبتت الرّوايات عنه أنّه كان
يرفع، فقد رواه في الموطّأ88 كما روى عنه ذلك ابن
وهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم وأشهب وأبو مصعب الزّهري، وأنّ ذلك في آخر
أقواله."89
ـ 2 قال ابن وهب: "قيل لمالك: أيرفع يديه إذا
ركع و إذا رفع رأسه من الرّكوع؟ قال: نعم"90 .
ـ 3 قال أشهب بن عبد العزيز: صحبت مالك بن أنس قبل
موته بسنة فما مات إلاّ وهو يرفع يديه إذا أحرم وإذا أراد أن يركع وإذا قال سمع
الله لمن حمده"91.
ـ 4 قيل ليونس وصف أشهب رفع اليدين عن مالك قال:
سئل أشهب عنه غير مرّة فكان يقول يرفع يديه إذا أحرم وإذا أراد أن يركع وإذا قال
سمع الله لمن حمده92.
ـ 5 قال ابن وهب:"صلّيت مع مالك في بيته
فرأيته يرفع يديه في أوّل ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الرّكوع رفع يديه
حذو منكبيه 93 "
ـ 6 وروى ابن نافع عن مالك في رفع اليدين مثل رواية
ابن وهب 94 ….
ـ 7 قال الإمام الخطابي: ذهب أكثر العلماء إلى أنّ
الأيدي ترفع عند الرّكوع وعند رفع الرّأس منه وبه قال مالك في آخر أمره.»95
ـ 8 قال ابن عبد البر: وروى أبو مصعب وابن وهب عن
مالك أنه كان يرفع يديه إذا أحرم وإذا ركع وإذا رفع من الركوع على حديث بن عمر.96
ـ 9 قال القاضي عياض:" وقد اختلف العلماء في
الرّفع في الصّلاة، والمعروف من عمل الصّحابة و مذهب جماعة العلماء بأسرهم - إلاّ
الكوفيّين - الرّفع في الصّلاة عند الافتتاح وعند الرّكوع والرّفع منه، وهي إحدى
الرّوايات المشهورات عن مالك، وعمل بها كثير من أصحابه ورووها عنه، وأنّه آخر
أقواله"97.
ـ 10 قال أبو بكر بن العربي:" الصّحيح أنّها
ترفع في ثلاثة مواضع لحديث ابن عمر المشهور في الموطّأ، ومتابعة كبار الصّحابة له
في ذلك أو متابعته لهم"98 .
ـ 11 روى ابن عبد البرّ في "اختلاف أقوال مالك
وأصحابه" ص 107 عن ابن عبد الحكم أنّه قال:"الذي آخذ به أن يرفع المصلّي
يديه إذا أحرم، وإذا رفع رأسه من الرّكوع. قال وليس يروي أحد عن مالك مثل رواية
ابن القاسم عنه في رفع اليدين" اهـ
ـ 12 قال ابن عبد الحكم:"لم يرو أحد عن مالك ترك
الرّفع فيهما إلاّ ابن القاسم، والذي نأخذ به الرّفع"99.
ـ 13 والذي أخذناه عن مشائخنا، مشائخ الزّيتونة ـ رحمهم
الله تعالى ـ أنّ مرجع الفتوى المعتمد في جامع الزّيتونة ـ ردّ الله اعتباره ـ هو
شرح الزّرقاني على مختصر خليل، وما استدركه وسلّمه البنّاني الفاسي، ولذلك اشتهرت
عبارة لدى أهل علم بلدنا"القول ما قاله الزّرقاني وسلّمه البنّاني" وفي
مسألة رفع اليدين قبل الرّكوع وبعده ومن القيام من اثنتين يقول البنّاني:"
... وقول الزّرقاني لا الرّكوع إلخ، هذا أشهر الرّوايات، والظّاهر أنّه يرفع عند الإحرام
والرّكوع والرّفع منه، والقيام من اثنتين لورود الأحاديث الصّحيحة بذلك اهـ"،
كما قال أيضا:".... إنّ الرّوايات مشهورة عن مالك عمل بها كثيرا من
أصحابه"100.
هذا وليعلم أنّ
الرّفع في الصّلاة كانت علامة تميّز أهل السّنّة من غيرهم كالرّافضة والخوارج،
لذلك روي عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال:"كنّا لنؤدّب عليها بالمدينة"
يعني إذا لم يرفعوا أيديهم في الصّلاة" 101 .
وكان عبد الله بن
عمر يحصب من لا يرفع: قال ابن القيم:"وانظر إلى العمل في زمن رسول الله و الصّحابة
خلفه، و هم يرفعون أيديهم في الصّلاة عند الرّكوع و الرّفع منه، ثمّ العمل في زمن
الصّحابة بعد، حتّى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه" 102
سعادة المفتي، إن
لم تذهبوا مذهبنا فإنّه في حال التّنازع لا بدّ أن نحتكم إلى النّبيّ صلّى الله
عليه وسلّم لا إلى غيره، ولأنّ هذه درجة لا يشركه فيها غيره لا مالك ولا الشّافعي
ولا أحمد ولا أبو حنيفة ولو اجتمعوا، وقد تواترت الأخبار أنّ النّبيّ صلّى الله
عليه وسلّم كان يرفع.
والذي نقرّره أنّ
قول حضرة المفتي قد فارق ما عليه محقّقو المذهب، فضلا عن صحيح الأخبار ومشهور
الآثار ودلائل المنقول والمعقول. ..
وعلى كلّ حال،
فإنّه ينبغي لكلّ مسلم يحتاط لدينه و يشهد أنّ الرّسول حقّ، ويقرّ باتّباعه، ويبرأ
من التّعصّب لأقوال الرّجال، والاحتجاج بعمل الآباء و الأجداد، أن يتبع ربّه
باتّباع رسوله..قال تعالى:" مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهَ"103
لقد تعصّب بعض
المالكيّة للقول الظّنّي لابن القاسم وتركوا القول القطعيّ للإمام مالك، فضاع بسبب
ذلك كثير من الحقّ، وإلى هذا يشير شيخ الإسلام في مجموع فتاواه في المجلّد العشرين:"ومعلومٌ
أن مدوّنة ابن القاسم، أصلها مسائل أسد بن الفرات التي فرعها أهل العراق. ثمّ سأل
عنها أسد ابن القاسم، فأجابه بالنّقل عن مالك، وتارة بالقياس على قوله. ثمّ
أصَّلَها في رواية سحنون. فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال
أهل العراق، وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة. ثمّ اتّفق أنّه لمّا انتشر مذهب
مالك بالأندلس، وكان يحيى بن يحيى عامل الأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون
القضاة أن لا يقضوا إلاّ بروايته عن مالك، ثمّ رواية غيره. فانتشرت رواية ابن
القاسم عن مالك لأجل من عمل بها. وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل أهل المدينة والسّنّة،
حتّى صاروا يتركون رواية الموطّأ ـ الذي هو متواتر عن مالك وما زال يحدّث به إلى
أن مات ـ لرواية ابن القاسم".
إنّ ردّ
المتعصّبة إلى الحقّ عسير، لأنّهم لا
يعرفون المذهب إلاّ من خلال المتون أو ملخّصات المذهب دون التّحقيقات في المذهب
والكتاب العمدة في الزّيتونة ردّ الله اعتبارها.
هذه حضرة المفتي
بعض الأقوال نقلتها لكم من الكتب المعتمدة في المذهب كالموطّأ وشرح الزّرقاني على
مختصر خليل ومعه الفتح الرّبّاني فيما ذهل عنه الزّرقاني للعلاّمة البنّاني.
والعاقل المنصف لا يجحد ما علم ثبوته بالاضطرار ويقاتل على ما يدّعي صحّته بالإصرار.
سعادة المفتي إنّ
مسائل الرّفع والقبض وغيرهما من أعمال الصّلاة التي أثارها السّائل، يسوغ فيها
الاختلاف والتّعدّد، لأنّها من مسائل الفروع، وقلّما تجد في مسائل الفروع اتّفاقا
بين علماء المذهب الواحد، ومثل هذه المسائل كثيرة جدّا ويستحيل حصرها، والشّريعة
تسعها كلّها، ولكلّ أن يأخذ بما تبيّن له وترجّح أنّه حقّ وظهر له أنّه هدى، ولا
تثريب عليه، والخلاف في تلك المسائل لا يوغل الصّدور ولا يفتح أبواب الشّرور، ولا يستدعي
كلّ هذا الزّخم من إعداد العدّة والطّوارئ، وتجييش الجيوش وتجنيد مؤسّسات الدّولة
لمقاومة شباب يصلّي على هيئة صلاة النّبي صلّى الله عليه وسلّم.
فالمقصود أنّ
الخلاف بيني وبينكم ـ سعادة المفتي ـ لا يذمّ متى كان في المسائل الفرعيّة لأنّ
ذلك لا يعارض بالتّأكيد قاطعاً من الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة. وقد وقع الخلاف
المذكور بين الأنبياء كفي داود وسليمان وموسى وهارون، ووقع كذلك بين العلماء ورثة
الأنبياء، ومن لوازم ذلك أن يقع بين التّونسيّين قطعا.
وأحسب بعد كلّ الذي
ذكرنا، أنّه تبيّن لكلّ منصف أنّ المذهب المالكيّ يشهد بصحّة ما عليه هؤلاء
الشّباب، وبأنّهم لم يفارقوا المذهب بحال، وبأنّهم لم يرتدّوا عن دينهم ولا عن
نبيّهم ولا عن مالك وأئمّة المسلمين ولا عن المحقّقين من المذهب، كما يتبيّن فساد
السّؤال، وأنّ التّدثّر بالمالكيّة ما هو إلاّ حرص بارد ورغوة صابون على المذهب
وغيرة ظرفيّة كيديّة، ولو كان حرص القوم حارا وجادّا فلماذا غاضهم حرص شباب يتمسّك
بالسّنّة، وأغلقوا أعينهم على طعن الرّافضة في عقائد التّونسيّين الثّابتة منذ 14
قرنا.. أم نقول بقول القائل
وعين الرّضا عن كلّ
عيب كليلة
ولكن عين السّخط
تبدي المساويا