براءة
المالكيّة من الفتاوى التّحريضيّة الرّسميّة التّونسيّة
الحلقة الثّالثة
على
المفتي أن يدلّ النّاس على الدّين ولا على المذهب، وأنّه ولو اشترط عليه السّلطان
أن يفتي إلاّ على مذهبه، يبطل ذلك الشّرط، لأنّ الواجب على الجميع أن يطلبوا الحقّ
من النّص البيّن لا من قول فقيه معيّن،
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
IIأصول لا بدّ منها للفتوى
1 ــ تكفّل الله تعالى ببقاء هذا الدّين العظيم بأخذ
العهد على أهل العلم أن يقولوا الحقّ ويبيّنوه للنّاس ولا يخشوا أحدا إلاّ الله
عزّ وجلّ، وأن لا يقعوا في بدعة"الرّهبانيّة"، وهي ترك أهل السّلطان
يتحكّمون في الدّين ويسكت أهل العلم عنهم.
2 ــ علماء الإسلام هم في الأرض بمنزلة النّجوم في
السّماء، بهم يهتدي الحيران في الظّلماء، وهم أطبّاء النّفوس في الأرض، يشفون صرعى الأهواء،
وحاجة النّاس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطّعام والشّراب، لأنّهم المبلّغون عن
الله مرادَه، ولذا لم يصلح لهذه المرتبة إلاّ أهل العمل والعمل والصّدق والصّدع.
3 ــ من المقرّر، أنّ العلم إذا لم يكن للعمل فلا
فائدة منه، ويصير وبالا وخزيا وحسرة وندامة على صاحبه، و هذا ينطبق على من طلب
الدّنيا بالعلم الشّرعيّ واتّخذه وسيلة وغرضا للتّنعّم باللّذائذ والتّوصّل إلى
الجاه والمنزلة عند أهلها، وقد حذّر المشرّع من ذلك فقال" من طلب العلم
ليجاري به العلماء، ويماري به السّفهاء، ويصرف به وجوه النّاس إليه أدخله الله
النّار"3.
ولا شكّ أنّ الذين
لم ينتفعوا بعلمهم لهم نصيب من قوله تعالى:"وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ
فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا
يَشْتَرُونَ"4
4 ــ من الأصول المقرّرة و من الثّوابت المعتمدة لدى
أهل السّنّة والجماعة أنّهم لا يتعصّبون للرّجال مهما كان فضلهم، أو الآباء مهما
كانت درجتهم، لأنّ الله تعالى لم يأمرنا أن نتعبّده بالرّجال أبدا ولم يأمرنا أن
نجعل أقوالهم سبيلا إليه حتّى توافق أقوالهم أقوال الشّريعة، لأنّهم لا يقبلون قول
أيّ كائن مهما كان بغير حجّة و لا يتّخذون أقوال رجل بعينه مهما كان، بمنزلة نصوص
الشّارع و لا يقلّدونه دون غيره ولا يلتفتون إلى قول سواه، و لا يعتبرون أقواله
دينا إلاّ إذا وافقت نصوصُه نصوصَ الشّارع الحكيم.
5 ــ أجمع المسلمون على أنّ من استبان له وجه الحقّ
فعليه أن يفتي به ولا يخالفه. قال الشّافعي:"أجمع النّاس على أن من استبانت
له سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فليس له أن يدعها لقول أحد سواه".
وقد نقل غير واحد الإجماع عليه.5
وعليه فعلى المفتي
أن يدلّ النّاس على الدّين ولا على المذهب، وأنّه ولو اشترط عليه السّلطان أن يفتي
إلاّ على مذهبه، يبطل ذلك الشّرط، لأنّ الواجب على الجميع أن يطلبوا الحقّ من النّص
البيّن لا من قول فقيه معيّن، وهذا هو السّبيل الذي كان عليه الإمام مالك. قال
ابن القيّم:"لو شرط على المفتي ألاّ يفتي إلاّ بمذهب معيّن بطل الشّرط، ولا
يجب التزامه بل ولا يسوغ"6.
6 ــ التزام المفتي عدم الخروج عن رأي أو قول واحد
في المسألة الشّرعيّة الخلافيّة محرّم وفاعله
ظالم لنفسه، قال
ابن تيمية:"الظّالم يكون ظالماً بترك ما تبيّن له من الحقّ، واتباع ما تبيّن
له أنّه باطل والكلام بلا علم. فإذا ظهر له الحقّ فعدل عنه كان ظالماً"7 ، وقال ابن القيم:" ليحذر المفتي
الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السّائل بمذهبه الذي يقلّده، وهو
يعلم أنّ مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصحّ دليلاً، فتحمله الرّياسة
على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنّه أنّ الصّواب في خلافه فيكون خائناً لله
ولرسوله وللسّائل وغاشّاً له، والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرم الجنّة على من
لقيه وهو غاشّ للإسلام وأهله، والدّين النّصيحة والغشّ مضاد للدّين"8.
7 ــ لا يقبل قولاً أو فتوى من أحد في الدّين إلاّ
بحجّة، والحجّة هي الدّليل الشّرعي من كتاب الله تعالى أو سنّة النّبيّ ثمّ
الإجماع المعتبر والقياس الصّحيح. أمّا أقوال العلماء وفتاواهم فليست حجّة في دين
الله وليست من أدلّة الأحكام الشّرعية المذكورة في كتب أصول الفقه. ومن هنا قالوا"إنّ
كلام العلماء يُحتجّ له ولا يُحتج به"، ومعنى"يُحتجّ له"أي إنّه
مفتقر إلى الأدلّة التي تثبت صحّته.
8 ــ المفتي وهو يجتهد في البحث عن الحقّ يصيب ويخطئ
ككلّ إنسان، ولذا قسّم النبيّ المجتهدين إلى مصيب ومخطئ، فقال:"إذا اجتهد
الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجرُ واحد"9.
9 ــ كلّ مسألة اختلف أهل العلم فيها فالحقّ فيها
واحد يوفّق الله تعالى إليه من شاء من عباده، وغيره من الأقوال خطأ يعذر فيه
المجتهد لاجتهاده، ولا يتقيّد الحقّ بقول أحد معيّن من المجتهدين.
وتفريعاً لهذه
القاعدة قرر المحقّقون من أهل العلم المنع من التزام مذهب فقهي دون غيره، قال ابن
تيميّه:"إذا نزلت بالمسلم نازلة فإنّه يستفتي من اعتقد أنّه يفتيه بشرع الله
ورسوله من أيّ مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء
في كلّ ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معيّن غير الرّسول
صلّى الله عليه وسلّم في كلّ ما يوجبه ويخبر به، بل كلّ أحد من النّاس يؤخذ من
قوله ويترك إلاّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض
عن أمر الله ورسوله، ويبقى كلّ إمام في أتباعه بمنزلة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
في أمّته وهذا تبديل للدّين"10
10 ــ أهل السّنة
متبوعُهم الأوحد هو رسولهم صلّى الله عليه وسلّم، فهو المعصوم الذي لا ينطق عن
الهوى وهو الذي يجب تصديقه في كلّ ما أخبر، وطاعته في كلّ ما أمر، وأن نعبد الله تعالى
كما بيّن، وهو الذي يجب أن يتعصّب له، وليست هذه المنْزلة لغيره من الأئمّة، بل
كلّ أحدٍ من النّاس يؤخذ من قولـه ويترك إلاّ قوله وأمره وفعله وإقراره صلّى الله
عليه وسلّم.
11 ــ تخصيص واحد من العلماء وتقليده دون غيره، هذا لا
يكون إلاّ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذ ليس في ديننا ما يفرّق بين العلماء
والأئمّة، وليس فيه ما يلزم مساءلة عالم منهم بعينه، ولكنّه يلزمنا أن نسأل كلّ
عالم لم يقدح في دينه ولم يتنازع في عدالته وصحّة أصوله، كما ألزمنا باتّباع الحقّ
بدليله من أيّ إمام أو عالم كان، المهمّ أن نتبع القائل المستدلّ بالدّليل الذي
يدلّ على صحّة ما يقول، والواجب على كلّ مؤمن موالاة كلّ علماء المسلمين وأن يقصد
الحقّ ويتبعه حيث وجده، وأنّى وجده، ومن تعصّب لواحد من العلماء وتبعه في كلّ ما
يقول واعتقد أنّ كلّ ما يصدر من شيخه هو حقّ فهذا قد جعل شيخه في مرتبة النّبيّ،
وما عليه إلاّ أن يتوب من هذه الكارثة القاضية على دينه، لأنّ الذي أوجبه الله تعالى
على جميع المسلمين هو إمامة الرّسول واتباعه إلى يوم القيامة و لم يجعل الله حجّة
على أحد من النّاس إلاّ رجلاً واحداً وهو محمّد رسول الله، فمن اتبعه نجا و إن لم
يسمع بمذهب مالك أو غيره أصلاً، و من خالفه هلك و شقي و لا ينقذه زعمه أنّه يتمسّك
بمذهب مالك لأنّ مالكاً قد تبرّأ منه.
12 ــ الإمام مالك و غيره من أئمّة أهل السّنّة
ينقلون لنا سنّة رسول الله إذا صحّت فنقبلها و نعمل بها و ندعو لهم ونترحّم عليهم
و لا نفضّل أحداً منهم على أحد، والذي نسأل عنه في قبورنا و في الحشر هو محمّد رسول
الله.
13 ــ من الخطر العظيم الذي يهدّد عقيدة المرء أن
يصبح المذهب هو الأصل الذي يحتكم إليه النّاس، لأنّ هذا يطعن في وجوب توحيد
الإمامة للرّسول و القبول والتّسليم لما صحّ من أخباره.
14 ــ السّيّد المفتي من أهل العلم، و أهل العلم يدلّون
النّاس إلى العلم بدليله ولا يدلّون إلى ما عليه الآباء والأجداد، لأنّه هذا تقليد
نهى عنه الشّرع الحكيم، ذلك أنّ التّقليد يتعارض مع العلم. وعليه فالعالم يطلب منه
أن يجيب بالعلم القائم على الدّليل والحجّة، لا بعمل الآباء وبما عليه العامّة. قال
سند بن عنان شارح مدونة سحنون:"ليس التّقليد بطريق إلى العلم بوفاق أهل
الآفاق، و إن نازعنا في ذلك برهانه فنقول: قال الله تعالى:" فَاحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِالْحَقِّ
وقال:"لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ11" 12
وعليه، فالمطلوب من
سعادة المفتي في فتاويه وتوجيهاته أن يدلّ النّاس على الحقّ بدليله، وأن يرشدهم
إلى الدّين بالقرآن والسّنّة القطعيّين، لا أن يدلّهم على الظّنّي من فروع الفقه
واختلاف الفقهاء. لأنّ الأصل في الأمور، أنّ المفتي أو العالم إذا سئلا عن مسألة
أن يجيبا عن الله ورسوله، أي أن يجيبا بدليل من الكتاب والسّنّة، ولا يفزع إلى
الفقيه أو إلى المذهب ويغرف منهما ما حلا له، فهل ماتت السّنّة حتّى لا يفتي
النّاس إلاّ بأقوال الأئمّة الأربعة الذين دعوا النّاس إلى اتّباع ما ثبت وصحّ عن
الرّسول صلّى الله عليه وسلّم.
15 ــ المفتي ليس له انتماء إلاّ للحقّ بدليله من
الشّرع العزيز، ويفتي به، فلا ينتمي إلى الفرق ولا إلى جماعة من الجماعات، أو حزب
أو سلطان أو عواطف العوام أو التّقليد أو الأغلبيّة أو أيّ أمر كان، لأنّه موقّع
عن ربّ العالمين، فيجب عليه أن يدور مع الحقّ حيثما دار. ولا يهمّه أرضي النّاس أم
سخطوا طالما همّه أن يرضي ربّه.
16 ــ إذا لم
يبلغ المفتي والقاضي درجة الاجتهاد يعتبران من المقلّدين، وقد اختلف أهل العلم في
حكم قضاء وإفتاء المقلّد.13، لأنّ الإفتاء والقضاء بالتّقليد واتّباع المذهب منعه
الكثير من أهل العلم، بل منهم من حرّمه، بناء على أنّ التّمذهب عندهم محدثة، لاعتبار
أنّ الفتوى لا بدّ أن تؤخذ من الكتاب و السّنّة مباشرة، دون تقيّد بمذهب معيّن أو
فقيه واحد، ذلك أنّ الواجب على كلّ مؤمن موالاة جميع المؤمنين وعلمائهم، وأن يقصد
الحقّ ويتبعه أنّى وجده.
وإذا تقرّر ذلك
علمت لماذا لم يتّخذ الخلفاء الرّاشدون في قرونهم المفضّلة مفتيا واحدا ترجع إليه
الفتوى ويختصّ بها وتحصر فيه دون غيره، لأنّ هذا يعدّ تشدّدا في الدّين واختطافا
له وتكلّفا فيه، وحجرا للعلم على أناس معيّنين، فلم يكن للمسلمين ولاء إلاّ للعلم
القائم على الكاتب والسّنّة، ولم يكن لهم تمذهب و لا تحزّب و لا تعصّب ولا تفرّق، بل
كانوا كلّهم عباد الله إخوانا، وكان الذي لا يعلم يسأل كلّ من يعترضه من أهل العلم،
فكانت الأمّة في تلك الفترة الخيّرة مجتمعة موحّدة. لا يتّخذ أحدا منهم رجلاً
بعينه يخصّ بالسّؤال والاتّباع دون غيره.
وهذه هي المرحلة
المفضّلة التي مدحها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وذكرها بخير وأنّها على هدى وخير، وأمرنا وجوبا أن نتبعها ونقتدي
بها، لأنّ ما كان عندهم من دين يجب أن يكون لنا هو الدّين دون غيره بنصّ الإمام
مالك القائل لهذه الكلمة الجميلة الجامعة المانعة:"من ابتدع في الإسلام بدعة
يراها حسنة فقد زعم أن محمّدًا خان الرّسالة، لأنّ الله يقول:"الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دًينَكُمْ"14، فما لم يكن
يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا"15
والمعنى أنّ ما لم يكن
دينًا في زمان النّبيّ وأصحابه لا يكون دينًا إلى قيام السّاعة، فعمل القرون
المفضّلة إذن هو الذي فرضه الله على سائر المسلمين إلى يوم القيامة، و ما ابتدع
بعدهم في الدّين فهو ضلال لا يقبله الله و لا يرضاه رسوله أبداً، وعليه، فالتّفرق
إلى مذاهب و طرائق و شيع أو فرق كلّه ضلال.
فالذي نقرّره أنّ للعامي
الحقّ في أن يسأل من شاء من المفتين دون أن يتقيّد في ذلك بشيخ بعينه أو بمذهب
بعينه لأنّ هذا هو ما كان عليه السّلف الصّالح في القرون المفضّلة، قال ابن تيميّة:"إذا
نزلت بالمسلم نازلة فإنّه يستفتي من اعتقد أنّه يفتيه بشرع الله ورسوله من أيّ
مذهب كان"16. وقال
العزّ بن عبد السّلام:"لا يتعيّن على العامي أن يقلّد إماماً في سائر المسائل،
لأنّ النّاس منذ عهد الصّحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون من ظهر لهم من غير نكير
"17. ونقل عن القرافي عن العزّ بن عبد السلام
قوله" إجماع الصّحابة على أنّه يجوز للعامي الاستفتاء لكلّ عالم في مسألة،
ولم ينقل عن السّلف الحجر في ذلك، ولو كان ممتنعاً ما جاز للصّحابة إهماله وعدم
إنكاره"18 .
والمقصود ممّا سبق
أنّ تعيين الفتوى في أشخاص وحصرها فيهم ليس من هدي النبيّ ولا من هدي أصحابه، ولم يغرس
تلك النّبتة الخبيثة في التّعصّب لرجال المذهب والفرقة وحصر الحقّ فيهم دون غيرهم إلاّ
الشّيعة الرّافضة الذين فضّلوا والوا بعض الصّحابة دون الباقين. فحصر العلم
والفتوى والمذهب هو ـ كذلك ـ تشيّع في تفضيل بعض المذاهب والطّوائف والعلماء. قال
ابن تيميّة:" ومن تعصّب لواحد بعينه من الأئمّة دون الباقين فهو بمنزلة من
تعصّب لواحد بعينه من الصّحابة دون الباقين، كالرّافضيّ الذي يتعصّب لعليّ دون
الخلفاء الثّلاثة وجمهور الصّحابة، وكالخارجيّ الذي يقدح في عثمان وعليّ رضي الله
عنهما، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسّنّة والإجماع أنّهم
مذمومون،.... فمن تعصّب لواحد من الأئمّة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصّب
لمالك أو الشّافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم"19
فحصر الفتوى واحتكارها
وتعيينها في رجال معيّنين لم يعرف إلاّ في القرون المذمومة على لسان الرّسول المعصوم.
قال الشّوكاني:"التّقليد لم يحدث إلاّ بعد انقراض خير القرون ثمّ الذين
يلونهم ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم؛ وحدوث التّمذهب بمذهب الأئمّة الأربعة
إنّما كان بعد انقراض الأئمّة الأربعة"20
17 ــ كلّ من اتّخذ رجلاً غير النّبيّ يحتكم إليه
يحلّل و يحرّم دون أن يسأله عن دليل ما أفتى به، تحسيناً للظّن ّبه واعتقاداً منه
أنّه لا يخطئ حكم الله أبداً، فقد اتخّذ ذلك الشّخص ربّاً دون الله، ودليل ذلك من
المالكيّة قول الإمام ابن عبد البرّ النّمري الذي شرح الموطّأ ثلاثة شروح في كتابه
"جامع بيان العلم و فضله" ما نصّه:" قد ذمّ الله تبارك و تعالى
التّقليد في غير موضع في كتابه فقال:"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"21
18 ــ الأئمّة
الأربعة ورؤوس السّلف الصّالح ـ وهم جبال علم وجَلال ـ نهوا النّاس عن تقليدهم إلاّ
فيما تبيّن وجه الحقّ فيه، كما دعوا النّاس أن ينهلوا ممّا نهلوا، ويعرضوا آراءهم
على الكتاب والسّنّة، ولا يأخذوا منها إلاّ ما وافقهما. قال مالك بن أنس: "إنّما
أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكلّ ما وافق الكتاب والسّنّة فخذوه، وكلّ ما
لم يوافق الكتاب والسّنّة فاتركوه"22 ، و قال
أبو حنيفة:" لا يحلّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"23، وقال الشّافعي:"إذا
وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقولوا بسنّة رسول الله،
ودعوا ما قلت"24 ، وقال أحمد بن حنبل:"لا
تقلّدني ولا تقلّد مالك ولا الشّافعي ولا الأوزاعي ولا الثّوري، وخذ من حيث ما
أخذوا"25 .
فهذا إجماع منهم لا
ريب فيه على نهيهم عن تقليدهم، وهذه نصوص من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا
تأويلا، وعليه فإنّ من تمسّك بما ثبت من السّنّة ولو خالف بعض أقوال الأئمّة لا
يكون مبايناً لمذهبهم ولا خارجاً على طريقتهم بل هو متّبع لهم ومتمسّك بالعروة
الوثقى التي أخذوا منها. هذا ولقد خالف تلامذة أولئك الأئمّة في كثير من آرائهم
وفتاويهم. قال الحجوي:"لا تجد أهل مذهب إلاّ وقد خرجوا عن مذهب إمامهم، إمّا
إلى قول بعض أصحابه، وإمّا خارج المذهب، إذ ما من إمام إلاّ وقد انتقد وانتقد عليه
قول أو فعل خفي عليه في السّنّة أو أخطأ في الاستدلال فضعف مذهبه"26
فالمقصود أنّه لم
يقل أحد من علماء المسلمين قديما ولا حديثا إنّ الحق منحصر في المذاهب الأربعة،
فضلا عن حصره في مذهب مالك، بل قد يكون الحقّ مع الثّوري والأوزاعي واللّيث بن سعد
وابن المبارك وابن حزم الأندلسيّ وابن تيميّة والبخاري والشّوكاني وغيرهم ....
فإذا تقرّر ذلك، فمن
ترك السّنّة الثّابتة لمجرّد مخالفتها لقول إمام متبوع، فهو بذلك يعدّ خارجا عليهم
ومخالفا لأقوالهم، لتسليم الجميع بقول الله تعالى:"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ
يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" 27، وقال:"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ"28
، قال الحافظ ابن رجب:"فالواجب على كلّ من
بلغه أمر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وعرفه أن يبيّنه للأمّة وينصح لهم ويأمرهم
بإتّباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمّة فإنّ أمر رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم أحقّ أن يعظّم ويقتدى به من رأى أيّ معظّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ،
ومن هنا ردّ الصّحابة ومن بعدهم على كلّ مخالف سنّة صحيحة وربما أغلظوا في الرّدّ
لا بغضاً له بل هو محبوب عندهم معظّم في نفوسهم لكنّ رسول الله أحبّ إليهم وأمره
فوق أمر كلّ مخلوق فإذا تعارض أمر الرّسول وأمر غيره فأمر الرّسول أولى أن يقدّم
ويتبع".
19 ــ لا يعرف الحقّ بالرّجال: قال مالك:"ليس
كلّ ما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عزّ وجلّ:"الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" وفي رواية:" ليس كلّ
ما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عزّ وجلّ:"الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ"29.
20 ــ لا ينظر إلى الرّجال فتؤخذ أقوالهم دون نظر إلى
صوابها و دقّتها، لأنّ الإسلام لا يشرف القول عنده ويصحّ بمواقع الرّجال أو
بفضلهم، ولكن يشرف القول بإصابته الحقّ، قال الشّاطبي:"إنّ تحكيم الرّجال من
غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشّرعي المطلوب
شرعا ضلال"30، فالرّجال ما هم إلاّ وسائل
للتّوصّل إلى شرع الله عزّ وجلّ، وإذا تعدّدت أقوال العلماء في مسألة، فإنّ أولاها
بالحقّ ما وافق الدّليل أو الاحتمال الرّاجح فيه إن كانت له احتمالات، ولا ينبغي
أن يكون المعيار هو شهرة القول وذيوعه، أو شهرة العالم وتقليد مذهبه، أو قول
المفتي أو الجهاز الرّسميّ أو مشائخ القنوات أو الأكثريّة أو غير ذلك، لأنّ هذه
المعايير هشّة ظالمة يضيع بسببها كثير من الحقّ.
21 ــ كلّ إنسان يجوز عليه الخطأ، ويعظم خطر خطأ
الرّجل إذا كان ذا شوكة من علم أو سلطان أو قضاء، ووقوع خطأ هؤلاء في أديان وأسماء
الآخرين له تبعات خطيرة في الدّنيا والآخرة، وقد يدخل القاضي في ربع دينار إلى
النّار، فكيف إذا كانت الفتوى في أسماء النّاس وأديانهم.
22 ــ لو أجمع النّاس على خطإ فهو خطأ، ألم تر إلى
عمر بن الخطّاب كيف كان وحده في مسألة أسرى بدر، وكانت الأمّة كلّها مع النبيّ تخالف
عمر، فنزل القرآن يوافق الفاروق ويعاتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومن معه.
وعليه، لو أجمعت المؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة في تونس ـ مثلا ـ على أمر وعارضهم
فيه مسلم له نصّ صحيح صريح فلا اعتبار لآتّفاقهم أو أكثريّتهم لأنّهم خالفوا الحقّ
وأجمعوا على باطل.
23 ــ يمنع شرعا وعقلا أن يعارض الفقيه النّصّ
الصّحيح المعلوم، لأنّ الدّين عُرِف بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم فلم يبق عند
أحد دين يتفرّد به.
24 ــ احتكار المذهب والتّكلّم باسمه والتّوقيع نيابة
عنه، ليس من حقّ أحد: لا سلطة سياسيّة ولا دينيّة ولا شعبيّة ولا معارضة ولا غيرها.
25 ــ الكلّ في تونس يدّعي أنّه مالكي ووسطي ومعتدل
وهلمّ جرّا من تزكيات التّشبّع والزّهو والرّضا عن الذّات، وهذا ـ فضلا عن مجانبة تلك
الدّعوى الصّواب ـ يطعن في الإخلاص واتّهام النّفس بالتّقصير، قال ابن القيم:"فإنّ
العبد الصّادق لا يرى نفسه إلاّ مقصّراً والموجب له لهذه الرّؤية: استعظام مطلوبه
واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها، وقلّة زاده في عينه، فمن عرف الله وعرف نفسه، لم
يرَ نفسه إلاّ بعين النّقصان"31.
26 ـ رأيت بعض التّونسيّين يتفوّهون بعبارة تثليثيّة
غريبة منكرة جمعت أصولهم العقديّة والفقهيّة والتّربويّة، وهي: "نحن في الفقه
على مذهب مالك، وفي العقيدة على مذهب أبي الحسن الأشعري، وفي السّلوك على طريقة
الجنيد السّالك"
وهذا الانتساب يرفضه الإمام
مالك، لأنّ التّمذهب والتّعصّب لا يكون للأشخاص وللفرق، ولأنّ الانتساب عند مالك
بعد الإسلام لا يكون إلاّ إلى السّنّة دون غيرها، فهي وحدها التي تجمع بين كلّ
المسلمين وتوحّد بينهم وتهدم كلّ خلاف مقطّع لأواصر الوحدة والأخوّة، جاء رجل إلى
الإمام مالك فقال:"يا أبا عبد الله! أسألك عن مسالة أجعلك حجّة فيما بيني
وبين اللّه عزّ وجلّ. قال مالك: ما شاء اللّه لا قوّة إلاّ باللّه! سل! قال: من
أهل السّنّة؟ قال:"أهل السّنّة الذين ليس لهم لقبٌ يُعرفون به، لا جهميٌ ولا
قَدَريٌ ولا رافضيٌ"32
كما سئل رحمه الله
تعالى عن السّنّة! فقال:"هي ما لا اسم له إلاّ السّنّة ثمّ تلا قوله
تعالى:" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ" 33 فالإمام مالك لا يرى أن يسمّي السّنّي نفسه إلاّ بهذا
الاسم التّعبّدي الشّريف" السّنّة"، فلا جهمي ولا قدري ولا رافضي، ولا مالكي
ولا شافعي ولا حنبلي ولا حنفي ولا أشعري ولا سلفي ولا إخواني ولا صوفي ولا طرقي
ولا شيء من ذلك، لأنّ كلّ ذلك يحزّب ويفرّق ويحدث الكراهيّة والشّقاق والنّزاع،
وكلّ ذلك شرّ عظيم لا بدّ أن نحذّر منه.
فرابطة السّنّة هي
الرّاية التي توحّد بيننا لأنّها الرّابط الجامع والسّمة البارزة لأهل القبلة والرّحمة
الذين لا يختلفون ولا يكون بينهم تهارش أو تحريش، وهو الذي ينادي به الإمام مالك
القائل:"أهل الرّحمة لا يختلفون"34
عن عاصم الأحول قال:قال أبو
العالية:"تعلّموا الإسلام، فإذا تعلّمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصّراط
المستـقيم فإنّه الإسلام، ولا تحرّفوا الصّراط يمينا وشمالا، وعليكم بسنّة نبيّكم
والذي كانوا عليه .... وإيّاكم وهذه الأهواء التي تلقي بين النّاس العداوة
والبغضاء". فأخبرت به الحسن، فقال: صدق ونصح"35
فالذي نقرّره في
مسألة الانتساب إلى غير السّنّة والتّسميّة بها أمور، منها:
أ ـ أنّ الانتساب لا يكون إلاّ إلى الإسلام وحده، إذ
به نضمن وحدة شعبنا، و نقطع مع كلّ ما يفرّق بيننا.
ب ـ إن كان لا بدّ من التّسمية فالسّنّة.
ج ـ أنّ المتمسّكين بالسّنّة هم أعظم النّاس تراحما
واتّفاقًا واجتماعا وائتلافًا، وكلّ من كان إلى السّنّة أقرب كان إلى الرّحمة والاتّفاق
والائتلاف أقرب، وكلّ من كان إلى السّنّة أمسك، كان إلى الحقّ أصوب. فهم بفضل الله
لا يختلفون، وإن وقع بينهم خلاف ففي الفروع، ولكلّ دليله من العلم إذ لا يختلفون
على الأهواء أبدا. قال تعالى"وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ "، قال مجاهد في قوله
تعالى"وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ:"إنّهم أهل الباطل"، وقال في
قوله تعالى:"إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ" "فإنّ أهل الحقّ ليس فيهم
اختلاف36" وقال ابن المبارك رحمه الله:
"أهل الحقّ ليس فيهم اختلاف"37 ،
وقال مالك رحمه الله:"أهل الرّحمة لا يختلفون"38
26 ــ من الأصول التي اتّفقت عليه الأمّة: أنّه ما
تنازعت فيه وجب ردّه إلى الله والرّسول، لقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلاً"39 .
ومعلوم باتّفاق
المسلمين أنّه يجب"تحكيم الرّسول" في كلّ ما شجر بين النّاس في أمر
دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلّهم إذا حكم بشيء أن لا يجدوا في
أنفسهم حرجا ممّا قضى و حكم ويسلّموا تسليما، لقوله تعالى:" فَلاَ وَرَبِّكَ
لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا40"
فالمقصود من كلّ ما
تقدّم، أنّه يرجى من المفتي أن يرحم المخطئين فضلا على المجتهدين في الطّاعة،
وأدلّة ذلك من الشّرع عديدة معلومة، منها صبر النّبيّ على الرّجل الذي بال في
المسجد، والشّاب الذي جاءه يريد أن يرخّص له في الزّنا. فإذا كان هذا مع العاصي
فلماذا يشدّد السّيّد المفتي مع شباب يظهر منهم التّمسّك بالسّنّة؟
إنّ المفتي لا بدّ
أن يحوز على ثقة النّاس، ولا يحصل له ذلك إلاّ بانحيازه للحقّ بدليله، والدّفاع
عنه، وردّ الجميع إليه، وإن حصل خلاف بين النّاس فعليه أن يسعى للإصلاح بينهم، و
لا يزيد الطّين بلّة ولا يصبّ الزّيت على الحريق، فيكون مغذّيا للفتنة ومتولّيا
كبرها، ومثل هذه الفتوى التي صدرت عنكم فضيلة المفتي، يعدّ انحيازا لفئة دون أخرى
دون وجه حقّ. ودقّا لطبول حرابة بين أهل شوكة متحفّزة وصحوة بريئة مسالمة.