براءة
المالكيّة من الفتاوى التّحريضيّة الرّسميّة التّونسيّة
الحلقة الثّانية
الواضح
أنّ الحاجة هي التي ألجأت القوم للإهتمام البارد بالمذهب المالكي لاستخدامه كأداة
لتحجيم تنامي ظاهرة التديّن السّنّي بين الشّباب أو الحدّ منها أو استئصالها.
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
الواقع
الذي جاءت فيه"الفتوى"
إنّ من المسلّمات الواقعيّة
ـ التي لا ينكرها إلاّ جاحد ـ أنّ الوضع العام في تونس يشهد تنامي ظاهرة صحوة
إسلاميّة جديدة غلب على تديّنها التّمسّك بالسّنّة شكلا ومظهرا وتعبّدا، تتّهم
بأنّها "سلفيّة مشرقيّة منغلقة متطرّفة" تجلب الفتنة والحرب على تونس"الآمنة
المستقرّة والوسطيّة المعتدلة".
ومن أجل محاصرة هذه الصّحوة الجديدة والحدّ
من"شرّ ها" اتّخذت الدّولة جملة من الإجراءات المتزاحمة، فعقدت النّدوات
والمؤتمرات القطريّة والإقليميّة والدّوليّة المهتمّة بقضايا الشّباب ودعت مفكّرين
عربا ومسلمين للمشاركة في تلك التّظاهرات، بل دعت بعض المشائخ الذين كانت منذ زمن
قريب تعدّهم أعلاما للتطرّف منهم القرضاوي والعودة.
هذا، وقد عمد الجهاز
الدّينيّ الرّسميّ في تنفيذ خطّة لتعزيز فقه المذهب المالكي الرّسميّ "الوسطي"
في البلاد تقوم على توزيع عدد من المطبوعات التي توضّح كيفيّة أداء بعض العبادات
وفقا للمذهب المالكي. كما تستعدّ وزارة الشّؤون الدّينيّة لإصدار الطّبعة الثّانية
من كتاب يتيم تحت مسمّى"السّند التّونسيّ في ممارسة الشّعائر"، التي صدرت
الطّبعة الأولى منها سنة 2008.
ويضمّ الكتاب
محاضرات عن "خصائص المدرسة الفقهيّة ّالمالكيّة" و"دور المدرسة
الكلاميّة بإفريقيّة في مواجهة الغلوّ والتّطرّف" وأثر العبادات المالكيّة في
توحيد الشعائر" و"الفتاوى التّونسية في الحجّ"وأثر العبادات في
التّراث الحضاري التّونسي".
كما ذكر السّيّد المفتي في
"فتواه" أنّ المجلس الإسلامي الأعلى أعدّ كتابا في الصّلاة وهو تحت
الطّبع بأسلوب سهل و ميسّر على مذهب مالك لإزالة الخلافات ومحو الشّكوك بين
المصلّين.
هذا وقد توسّعت
"صحوة" السّياسي الرّسميّ باهتمامه بالمذهب المالكيّ فطالت كلّ دول المغرب
العربي فتنادت أن اغدوا واصبروا على"مالكيّتكم" من الخطر العظيم الزّاحف
المستهدف لأمن بلداننا "الموحَّدة" من الهجمة الشّرسة الهدّامة التي
تستهدف وحدتنا وإنجازاتنا الحضاريّة الضّخمة ومؤسّسات الحداثة المدنيّة الجبّارة،
إنّها القنبلة الذرّيّة والفيروس القاتل"السّلفيّة" المحرّفة للدّين
المخرّبة للمكتسبات.
والواضح أنّ الحاجة
هي التي ألجأت القوم للإهتمام البارد بالمذهب المالكي لاستخدامه كأداة لتحجيم
تنامي ظاهرة التديّن السّنّي بين الشّباب أو الحدّ منها أو استئصالها.
ثانيا: المسلّمات
العلميّة
I
أصول يحذر
منها من تصدّر للفتوى
1 ـ تفزع بعض قوى النّفوذ والشّوكة عادة إلى الأجهزة
الدّينيّة الرّسميّة لتفتكّ منها فتاوى تحقّق لهم مآربها، وهذا معلوم قديما
وحديثا، ألم يفزع ساركوزي إلى شيخ الأزهر ليختطف منه فتوى تعطيه حقّ منع الحجاب في
مؤسّسات التّعليم في فرنسا.
2 ـ ليحذر المفتي في فتاويه من مظاهرة ومعاونة
المتصارعين السّياسيّين المتربّصين الذين يستعملون الفتوى ويوظّفونها لتحقيق
أهدافهم كتصفية الشّباب مثلا، وعلى هذا تكون الفتاوى أمّ كبائر الاستئصال.
3 ـ يحذر المفتي من محترفي التّحريش ومشعلي نار
الفتن بين أهل السّنّة، فإنّ دأبهم إشعالها بالصّالحين لضرب الصّالحين بالمصلحين، كما
يحذر من الوقوع في أهواء النّاس وإرضائهم أو الوقوع في أسرهم وحيلهم وحبالهم.
4 ـ المفتي والعالم هم من أهل الخير والفضل والدّين،
ولكن قد يخدعون من طرف النسّاك فكيف بدهاقنة السّياسة، وقد خدع الإمام مالك بمن
يبكي في المسجد النّبويّ وهو ليس من أهل العلم، فروى عنه الضّعيف والموضوع.
5 ـ تقديم الدّين على أهواء السّلطان ودين الملوك
إرجاء خطير، وتقديم الفتوى على أهواء النّاس ضلال كبير، قال تعالى:"يَا
دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ
بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ
الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا
يَوْمَ الْحِسَابِ"2