براءة
المالكيّة من الفتاوى التّحريضيّة الرّسميّة التّونسيّة
الحلقة
الأولى
إنّ
المؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة التّونسيّة تخضع لأجندة السّياسي، وما هي إلاّ أداة
تنفّذ خيارات السّلطة، وما الفتوى الأخيرة لفضيلة المفتي"الغير المبرّرة"
إلاّ دليل على ذلك، وما القرار النّشاز الذي أعلنته وزارة الشّؤون الدّينيّة هذه
السّنة في تعطيل فريضة الحجّ إلاّ خادم في نفس التّوجّه. فالسّياسة هي التي كانت
وراء بلاغها في إلغاء حجّ سنة 1430 هجري لأنّه قد أصاب العلاقة التّونسيّة
السّعوديّة توعّك صحّي منذ سنوات بسبب عائليّ"تافه حقير"، فلمّا جاءت
مسألة فيروس( أي أتش 1 آن 1) جعلت تكئة لإلغاء فريضة الحجّ، فما معنى أن يتّخذ هذا
الإجراء ضدّ التّونسيّين للذّهاب إلى أداء فريضة الحجّ، ولم يتّخذ في المشجّعين
التّونسيّين الذين صاحبوا الفريق الوطني لكرة القدم في إفريقيا، ثمّ لماذا لا ترفض
السّائحين الوافدين من العالم إلى تونس للتّنزّه والتّرفيه، وهم يحملون معهم فيروسات
متنوّعة ومتعدّدة وخطيرة؟ والله المستعان!
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
المقدّمة
طالعت في أحد أعداد جريدة الصّريح التّونسيّة لشهر
جويلية 2009 جوابا لحضرة فضيلة المفتي في "فتوى" لسائل طلب منه أن
يتدخّل لتوحيد صفة الصّلاة على المذهب المالكيّ، لأنّ الأستاذ السّائل غاضه أن يرى
الشّباب يصلّون في مساجد تونس على هيئة السّنّة التي بلغتهم عن رسولهم صلّى الله
عليه وسلّم، وجاء في إجابة فضيلته أنّ صلاة الشّباب على خلاف ما عليه "المالكيّة"
الرّسميّة يعدّ فتنة ويهدّد الاستقرار والأمن الذي تنعم به البلاد في العهد الجديد
ـ كما قال ـ .
وممّا جاء في فتوى سماحته:".....
حقا إن ما نشاهده من اختلافات في كيفية أداء الصلاة هو ظاهرة شبابية من شأنها
إدخال الاضطراب ونشر الفتنة وزرع الخصام والتشاحن والحيرة لدى المصلين..." وقال"...
ما يقوم به بعض الشباب بدعوى إحياء السنّة ونبذ المذاهب وخاصة المذهب المالكي
تصرّف ساذج لا ينمّ عن معرفة حقيقية بالفقه المالكي وإنّما هي أقوال سمعوها أو قرؤوها
في بعض المنشورات فرددوها عن غير وعي ..... ثمّ قال:".... فلا يجوز تعكير صفو
هذا المناخ الطيب بإثارة الفتن و إدخال الاضطراب و الحيرة بين المصلين....".
قلت
وعند التأمّل في هذه
"الفتوى" إن صحّت أن تسمّى كذلك، وجدتها قد جانبت الصّواب وحادت عن منهج
أهل الحقّ والعلم، لأنّ مثل هذه الفتوى الخالية من الرّحمة والنّصح قد تستغلّ كأداة
بطش أو انتقام من طرف غلاة ذات الشّوكة أو من طرف شباب مغامر.
فضيلة المفتي،
اسمحوا لي أن يكتب إليكم طالب علم يغار على دينه ثمّ على بلده ويعمل على وحدة شعبه
عبر عقيدته الموحّدة ومذهبها السّنّي الجامع.
ربما يكلّفني الدّفاع عن حقّ التّونسيّين في
التّمسّك بالسّنّة تكاليف باهضة في واقع تونسيّ متوتّر وشديد الحساسيّة على كلّ من
يدافع عن السّنّة ويتمسّك بها ويدعو إليها، ولكن ماذا نفعل والدّفاع عن الدّين
واجب، وقد مضت سنّة الأوّلين. وإنّي إذْ أبحث في هذا الملفّ فإنّي لا أقصد أن
أنتصر لطرف على آخر، بل أقصد الانتصار للحقّ بدليله، كما أقصد المساهمة في الإصلاح
ما استطعت.
إنّ اختلاف النّاس
فضيلة الشّيخ في النّاس قديم، لأنّه يستحيل أن يتّفقوا، كما يستحيل أن تكون
أقوالهم كلّها صوابا، ومن ثمّ اختلف أصحاب رسول الله وخطّأ بعضهم بعضا ونظر بعضهم
في أقاويل بعض وتعقّبوها وراجعوها ولو كان قولهم كلّه صوابا عندهم لما فعلوا ذلك.
من أجل ذلك لم
نسّلم بما جاء في"فتواكم"، لأنّ ما صدر عنكم ما هو إلاّ كلام مرسل، والكلام
المرسل ـ كما تعلمون ـ ليس بحجّة باتّفاق كلّ المسلمين، ذلك أنّ القول في الدّين لا يقبل إلاّ بدليل، ولذلك
قال أهل العلم: إنّ كلام العلماء يُحتجّ له ولا يُحتجّ به.
ثمّ إنّ جوابكم بدا لي أنّه يخالف أصول مالك
البيّنة ومذهبه المحقّق.
وكلّ النّاس سعادة
المفتي رادّ ومردود عليه إلاّ المعصوم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قال الإمام
مالك:"ليس أحد بعد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاّ ويؤخذ من قوله ويترك
إلاّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم"1 .
إنّ مجرّد القول
بدون حجّة من شرع أو حقّ غلط فاحش وتكلّف طائش لا يجوز أن نسكت عنه حتّى لا يروّج
القول فيقبل. وإنّ اتّهام المخالف دون وجه حقّ لمجرّد خلاف معتبر داخل الدّين هو الفتنة
بعينها والظّلم الذي لا يقبله مسلم"يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي
وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا"...
والاعتراض على كلامكم
فضيلة المفتي من وجوه:
أوّلهــا: أصول الإسلام
الثّـاني: أصول الإمام مالك
رحمه الله تعالى.
الثّالث: أقوال المحقّقين في المذهب المالكيّ.
إنّ الشّبهة سبب عظيم لشيوع كثير من الباطل
بين العوام لكونها مركّبة من حقّ مع ما فيها من الباطل وإزالة الشّبهة أمر واجب.
هذا ولتعلموا ـ
فضيلة الشّيخ ـ أنّي لم أقصد من خلال هذا الرّدّ أن أطعن في شخصكم المحترم، لأنّ
الأصل في الأشياء أنّ المفتي يحتلّ موقع الوالد، ولكنّه حوار علميّ هدفه النّصح
وإبراء الذّمّة وإقامة الحجّة ودفاعا عن مذهب مالك وأصوله وحماية لشعبي من الفتنة،
وفرارا من زاوية الشّيطان، لأنّ السّاكت عن الحقّ شاهد زور وشيطان أخرس، أو هو على
حدّ قول العلاّمة ابن عاشور رحمه الله تعالى من أجل:"تخليص معاني الشّريعة من
الاشتباه والالتباس".
وقبل الخوض في مناقشة ما طرحتم، أقدّم بين أيديكم مسلّمات
علميّة يسلّم بها كلّ منصف.