شيخ الإسلام ابن تيميّة يناقش الرّافضة
الحلقة الخامسة:
قول
الرّافضة أنّ عثمان لا يصلح للولاية
وقوله:" وطرد
رسول الله الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو
وابنه طريدين في زمن النبي وأبي بكر وعمر، فلما وَليَ عثمان آواه وردّه إلى
المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره. مع أن الله قال
".
لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
والجـواب: أن الحكم
بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح، وكانوا ألفىْ رجل،ومروان ابنه كان صغيرا إذ ذاك،
فإنه من أقران ابن الزبير والمسور بن مخرمة، عمره حين الفتح سن التمييز : إما سبع
سنين، أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، فلم يكن لمروان ذنب يُطرد عليه على عهد النبي،
ولم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة في حياة النبي
. فإن كان قد طرده، فإنما
طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة. وقد طعن كثير
من أهل العلم في نفيه، وقالوا : هو ذهب باختياره.
وأما استكتابه
مروان، فمروان لم يكن له في ذلك ذنب، لأنه كان صغيرا لم يجر عليه القلم، ومات
النبي
ومروان لم يبلغ الحُلُم
باتفاق أهل العلم، بل غايته أن يكون عشر سنين أو قريب منها، وكان مسلما باطنا
وظاهرا، يقرأ القرآن ويتفقه في الدين، ولم يكن قبل الفتنة معروفاً بشيء يُعاب به،
فلا ذنب لعثمان في استكتابه.
وأما الفتنة فأصابت
من هو أفضل من مروان، ولم يكن مروان ممن يحادّ الله ورسوله. وأما أبوه الحكم فهو
من الطلقاء، والطلقاء حسن إسلام أكثرهم، وبعضهم فيه نظر. ومجرد ذنب يعزَّر عليه لا
يوجب أن يكون منافقا في الباطن.
وأما قوله : " إنه نفى أبا ذر إلى الرَّبذَة وضربه
ضربا وجيعا، مع أن النبي قال في حقه: ما أقلَّت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذى
لهجة أصدق من أبي ذر. وقال : إن الله أوحى إليّ أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني
بحبهم. فقيل له : من هم يا رسول الله ؟ قال : عليّ سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو
ذر
فالجـواب : أن أبا
ذر سكن الربذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين الناس، فإن أبا ذر رضي الله عنه
كان رجلا صالحا زاهدا، وكان من مذهبه أن الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلاً
عن حاجته فهو كنز يُكوى به في النار، ولما توفى عبد الرحمن بن عوف وخلف مالاً، جعل
أبو ذر ذلك من الكنز الذي يُعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق
عثمان، فضربه أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب
وأما الخلفاء
الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول
فإنه قد ثبت في
الصحيح عن النبي أنه قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس
ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة". فنفى الوجوب فيما دون المائتين، ولم
يشترط كون صاحبها محتاجا إليها أم لا
وقال جمهور الصحابة:
الكنز هو المال الذي لم تؤدّ حقوقه وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب
الله عليهم، ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على
طاعته رضي الله عنه، كسائر المجتهدين من أمثاله.
فكان اعتزاز أبي در
لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من الأغراض.
وأما كون أبي ذر من
أصدق الناس، فذاك لا يوجب أنه أفضل من غيره، بل كان أبو ذر مؤمنا ضعيفا. كما ثبت
في الصحيح عن النبي أنه قال له:"يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما
أحب لنفسي. لا تأمّرن على اثنين. ولا تولين مال يتيم
وقد ثبت في الصحيح
أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب
إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير".
وأهل الشورى مؤمنون
أقوياء، وأبو ذر وأمثاله مؤمنون ضعفاء. فالمؤمنون الصالحون لخلافة النبوة، كعثمان
وعليّ وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي ذر وأمثاله.
والحديث المذكور
بهذا اللفظ الذي ذكره الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له إسناد يقوم به .
وأما قوله:" إنه
ضيّع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين
بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية.
وأراد أن يعطّل حدّ الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين. وقال : لا تبطل
حدود الله وأنا حاضر".
فالجـواب : أما
قوله: " إن الهرمزان كان مولى عليّ فمن الكذب الواضح، فإن الهرمزان كان من
الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقَدِموا به على
عمر، فأظهر الإسلام، فمنّ عليه عمر وأعتقه، ولما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
كان الذي قتله أبو لؤلؤة الكافر المجوسي مولى المغيرة بن شعبة، وكان بينه وبين
الهرمزان مجانسة، وذُكر لعبيد الله بن عمر أنه رؤى عند الهرمزان حين قتل عمر، فكان
ممن اتهم بالمعاونة على قتل عمر.
وقد قال عبد الله
بن عباس لما قُتل عمر، وقال له عمر : قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج
بالمدينة. فقال : إن شئت أن نقتلهم. فقال:" كذبت، أما بعد إذ تكلموا بلسانكم،
وصلُّوا إلى قبلتكم".
فهذا ابن عباس وهو
أفقه من عُبَيْد الله وأَدْيَن وأفْضَل بكثير يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقا
الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد اعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد
عبيد الله جواز قتل الهرمزان ؟ فلما استشار عثمان الناس في قتله، فأشار عليه طائفة
من الصحابة أن لا تقتله، فإن أباه قتل بالأمس ويُقتل هو اليوم، فيكون في هذا فساد
في الإسلام، وكأنهم وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين
كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟
وإذا كان قتل عمر
وعثمان وعليّ ونحوهم من باب المحاربة، فالمحاربة يشترك فيها الردء والمباشر عند
الجمهور، فعلى هذا من أعان عَلَى قتل عمر،ولو بكلام، وجب قتله، وكان الهرمزان ممن
ذُكر عنه أنه أعان عَلَى قتل عمر بن الخطاب
وإذا كان الأمر
كذلك كان قتله واجبا، ولكن كان قتله إلى الأئمة، فافتات عبيد الله بقتله، وللإمام
أن يعفو عمن افتات عليه.
وأما قوله: إن
علياًّ كان يريد قتل عبيد الله بن عمر. فهذا لو صح كان قدحاً في عليّ. والرافضة لا
عقول لهم، يمدحون بما هو إلى الذم أقرب.
ثم يقال : يا ليت
شعرى متى عزم عليٌّ عَلَى قتل عبيد الله ؟ ومتى تمكن عليّ من قتل عبيد الله ؟ أو
متى تفرّغ له حتى يظهر في أمره ؟
وعبيد الله كان معه
ألوف مؤلفة من المسلمين مع معاوية، وفيهم خير من عبيد الله بكثير. وعليّ لم يمكنه
عزل معاوية، وهو عزل مجرد. أفكان يمكنه قتل عبيد الله ؟!
ومن العجب أن دم
الهرمزان المتهم بالنفاق، والمحاربة لله ورسوله، والسعي في الأرض بالفساد، تُقام
فيه القيامة، ودم عثمان يُجعل لا حرمة له، وهو إمام المسلمين المشهود له بالجنة،
الذي هو – وإخوانه – أفضل الخلق بعد النبيين. ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان
من أكفِّ الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه
فحاصروه وسعوا في قتله، وقد عُرف إرادتهم لقتله، وقد جاء المسلمون من كل ناحية
ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن
لا يقاتلهم. ورُوى أنه قال لمماليكه : من كفَّ يده فهو حرّ. وقيل له : تذهب إلى
مكة ؟ فقال : لا أكون ممن ألحد في الحرم. فقيل له: تذهب إلى الشام ؟ فقال : لا
أفارق دار هجرتي. فقيل له : فقاتلهم. فقال : لا أكون أول من خلف محمداً في أمته
بالسيف
فكان صبر عثمان حتى
قُتل من أعظم فضائله على المسلمين. فمن قدح في عثمان بأنه كان يستحل إراقة دماء
المسلمين بتعطيل الحدود، وكان قد طرَّق من القدح في عليّ ما هو أعظم من هذا،
وسوَّغ لمن أبغض عليًّا وعاداه وقاتله أن يقول : إن عليّا عطَّل الحدود الواجبة
على قتلة عثمان. وتعطيل تلك الحدود إن كانت واجبة أعظم فسادا من تعطيل حدٍّ وجب
بقتل الهرمزان
وإذا كان من الواجب
الدفع عن عليّ بأنه كان معذورا باجتهاد أو عجز، فلأن يُدفع عن عثمان بأنه كان
معذورا بطريق الأَوْلى
وأما قوله:" أراد
عثمان تعطيل حد الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين".
فهذا كذب عليهما، بل عثمان هو الذي أمر عليًّا بإقامة
الحد عليه، كما ثبت ذلك في الصحيح، وعليّ خفف عنه وجَلَده أربعين، ولو جلده ثمانين
لم ينكر عليه عثمان