شيخ الإسلام ابن تيميّة يناقش الرّافضة
قول الرّافضة أنّ عثمان لا يصلح للولاية
الحلقة
السّادسة
......
وقول الرافضي: "
إنّ عليًّا قال : لا يبطُل حدُّ الله وأنا حاضر"
فهو كذب. وإن كان
صدقا فهو من أعظم المدح لعثمان ؛ فإن عثمان قَبِلَ قول عليّ ولم يمنعه من إقامة
الحد، مع قدرة عثمان على منعه لو أراد، فإن عثمان كان إذا أراد شيئا فعله، ولم
يقدر عليّ عَلَى منعه. وإلا فلو كان عليّ قادراً على منعه مما فعله من الأمور التي
أُنكرت عليه ولم يمنعه مما هو عنده مُنْكَرٌ مع قدرته، كان هذا قدحاً في عليّ. فإذا
كان عثمان أطاع عليًّا فيما أمره به من إقامة الحدّ دل ذلك على دِين عثمان وعدله.
وعثمان وليّ الوليد
بن عقبة هذا على الكوفة، وعندهم أن هذا لم يكن يجوز. فإن كان حراماً وعليٌّ قادر
على منعه، وجب عَلَى عليٍّ منعه، فإذا لم يمنعه دلّ على جوازه عند عليّ، أو عَلَى
عجز عليّ. وإذا عجز عن منعه عن الإمارة، فكيف لا يعجز عن ضربه الحد ؟ فعُلم أن
عليّا كان عاجزاً عن حدّ الوليد، لولا عثمان أراد ذلك، فإذا أراده عثمان دلّ على
دينه.
والرافضة تتكلم
بالكلام المتناقض الذي ينقض بعضه بعضا.
وأما قوله:" إنه
زاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، فصار سنة إلى الآن".
فالجـواب: أن
عليًّا رضي الله عنه كان ممن يوافق على ذلك في حياة عثمان وبعد مقتله. ولهذا لما
صار خليفة لم يأمر بإزالة الأذان، كما أمر بما أنكره من ولاية طائفة من عمّال
عثمان، بل أمر بعزل معاوية وغيره. ومعلوم أن إبطال هذه البدعة كان أهون عليه من
عزل أولئك ومقاتلتهم التي عجز عنها، فكان على إزالة هذه البدعة، من الكوفة ونحوها
من أعماله، أقدر منه على إزالة أولئك، ولو أزال ذلك لعلمه الناس ونقلوه.
فإن قيل : كان
الناس لا يوافقونه على إزالتها.
قيل : فهذا دليل
على أن الناس وافقوا عثمان على استحبابها واستحسانها، حتى الذين قاتلوا مع عليّ،
كعمّار وسهل بن حنيف وغيرهما من السابقين الأَوَّلين. ثم من العجب أن الرافضة تنكر
شيئاً فعله عثمان بمشهد من الأنصار والمهاجرين، ولم ينكروه عليه، واتبعه المسلمون
كلهم عليه في أذان الجمعة، وهم قد زادوا في الأذان شعارا لم يكن يعرف على عهد
النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا نقل أحد أن النبي أمر بذلك في الأذان، وهو قولهم :
"حيّ على خير العمل".
ونحن نعلم بالاضطرار
أن الأذان، الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ في قباء، لم يكن فيه هذا الشعار
الرافضي. ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما
لم يكن في الذين نقلوا الأذان مَنْ ذَكَر هذه الزيادة، عُلم أنها بدعة باطلة.
وأما قوله : " وخالفه المسلمون كلهم حتى قُتل. وعابوا
أفعاله، وقالوا له : غبت عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار
في ذلك أكثر من أن تحصى".
فالجـواب:أما قوله:
"وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل"، فإن أراد أنهم خالفوه خلافا يبيح قتله،
أو أنهم كلهم أمَروا بقتله، ورضوا بقتله، وأعانوا على قتله. فهذا مما يَعْلم كل أحد أنه من أظهر الكذب، فإنه لم يقتله إلا
طائفة قليلة باغية ظالمة.
قال ابن الزبير : "لُعنت
قتلة عثمان، خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا
منهم تحت بطون الكواكب " يعني هربوا ليلا، وأكثر المسلمين كانوا غائبين، وكان
أهل المدينة الحاضرين لم يكونوا يعلمون أنهم يريدون قتله حتى قتلوه.
وإن أراد أن كل
المسلمين خالفوه في كل ما فعله، أو في كل ما أُنكر عليه. فهذا أيضا كذب. فما من
شيء أُنكر عليه إلا وقد وافقه عليه كثير من المسلمين، بل من علمائهم الذين لا
يُتهمون بمداهنة، والذين وافقوا عثمان على ما أُنكر عليه أكثر وأفضل عند المسلمين
من الذين وافقوا عليًّا على ما أُنكر عليه : إما في كل الأمور، وإما في غالبها.
وأما الساعون في
قتله فكلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون. وإن قدِّر أن فيهم من قد يغفر الله
له، فهذا لا يمنع كون عثمان قُتل مظلوما.
والذي قال له : غبتَ
عن بدر وبيعة الرضوان، وهربتَ يوم أحد، قليل جدا من المسلمين. ولم يعيّن منهم إلا
اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك. وقد أجابهم عثمان وابن عمر وغيرهما عن هذا السؤال،
وقالوا : يوم بدر غاب بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم ليخلفه عن ابنة النبي صلّى
الله عليه وسلّم ، فضرب له النبي صلّى الله عليه وسلّم بسهمه وأجره.
ويوم الحديبية بايع
النبي عن عثمان بيده. ويد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير له من يده لنفسه،
وكانت البيعة بسببه، فإنه لما أرسله النبي رسولا إلى أهل مكة بلغه أنهم قاتلوه،
فبايع أصحابه على أن لا يفروا، أو على الموت، فكان عثمان شريكا في البيعة، مختصًّا
بإرسال النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وأما التولّي يوم
أحد، فقد قال الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ
الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا
كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ".
فقد عفا الله عن جميع المتَولِّين يوم أحد، فدخل في
العفو من هو دون عثمان، فكيف لا يدخل هو فيه مع فضله وكثرة حسناته ؟