إلى أستاذنا
النّجّار هذه معالمي في خـارطـة طـريـقك
خَمِيس
بن علي الماجري
ليس طبيعيّا أن
يبقى الكثير من قيادات حركة النّهضة في الدّاخل والخارج صامتين طيلة عشريّتين وهم
غير راضين عن وضع حركتهم طوال هذه المدّة.
وليس طبيعيّا كذلك
أن تحافظ هذه الحركة على الحال الذي عرفت به، بعد أخطائها الكبرى التي ارتكبتها
وخساراتها الفادحة التي تكبّدتها.
ولذلك كانت رسالة
أستاذنا الدّكتور عبد المجيد النّجّار ـ حفظه الله تعالى ونفع به ـ طبيعيّة، ولا
بدّ أن تكون، بما أعرفه عنه منذ كنّا معا في أعلى مؤسّسة الحركة "مجلس
الشّورى المركزي" من ربيع 1981 إلى شتاء 1989.
ولذلك فإنّي أعتبر
أنّ "خارطة الطّريق" التي بشّر بها أستاذنا قد جاءت متأخّرة جدّا، قياسا
بالسّبق الذي أقدمت عليه مجموعة كبيرة من إخوة أفاضل تحمّلوا مواقع قياديّة
متقدّمة منذ تأسيس الحركة، فاجتمعت في باريس منذ خمس عشرة سنة على نقد السّلوك
الفكري والسّياسي والتّربويّ والتّنظيميّ للحركة.
وأحسب أنّ هذه المجموعة لم يسبق في تاريخ الحركة كلّها أن قامت بمثل عملها، وسمّيت
هذه المحاولة بمبادرة الإخوة الإثنى عشر، أذكر منهم بالتّرتيب الأبجدي:
الأسعد بو عبدلّي،
إبراهيم الجويني، بلقاسم العبيدي، خَمِيس الماجري، علي نفزي، عبد القادر كريّم،
فرجاني دغمان، محمّد الطّاهر القنطاسي، مصطفى ونيسي، منير قلوز وغيرهم...
و إنّ ما جاء في ورقة
الأخ الدّكتور تضمّنه مشروعنا بشكل أوضح وأعمق وأدقّ، فشخّصنا فيه تجربة الحركة منذ
التّأسيس إلى تهجيرها.
وانتهت تلك
المبادرة إلى خلاصتين اثنتين أولاهما فكّ الاشتباك مع السّلطة وثانيهما ردّ الحركة
وقرارها إلى الدّاخل.
ولأنّ قيادة نهضة
المهجر لا تحسن التّصرّف، فقد شكّت في نوايا المصلحين، فجابهتنا بحملة عشوائيّة وممنهجة
شرسة قصدت إهانتنا وإذلالنا، بل ارتقت إلى مستوى الاضطهاد والتّمييز، ووصفنا رأس
الحركة بأنّنا "جيب"، ورمانا آخرون بالعمالة، وسخروا من مبادرتنا، ثمّ رمونا
بمقولات باطلة قرقرها الذين يعملون للدّين"زعموا"، لا لجرم ارتكبناه
إلاّ أن هممنا بالإصلاح.
وإنّي على يقين أنّ
تلك المحاولة الجادّة التي عمل لها الإخوة طيلة ثلاث سنوات من الحوار والإعداد، لو
أحسنت قيادة نهضة المهجر التّعامل معها، لكانت البلاد والحركة في وضع أحسن، لأنّ السّلطة
كانت تتابعها في ذلك الوقت المبكّر فاتّصلت بي شخصيّا تستفسر عن حقيقة تلك
المبادرة، ولكن مع الأسف الشّديد فقد فوّتت الحركة على نفسها فرصة ثمينة أخرى بتهوّرها
وتنطّعها وغرورها.
وأحسب أنّ هذا
تاريخ لا بدّ أن يعلمه النّاس، ليدركوا كم فرصا وَأَدْناها، وكم طاقات خنقناها، وكم
إرادات كبّلناها، وكم عقول عطّلناها، وكم أموال حرقناها، وكم سنوات ضيّعناها. وكم
من قيادات كانوا حربا علينا وقتها، كيف انقلبوا اليوم إلى فرسان مصالحة. والله
المستعان!!
كما لا بدّ أن يعلم
كذلك، أنّ هذه الخلاصات كانت تناسب تلك المرحلة، أمّا اليوم فأحسب أنّ كلّ شيء قد
انتهى، فقد أكلت التّجربة نفسها، وأنهت أنفاسها، فما عادت تصلح في ظلّ الوضع
الجديد، الذي بات كلّه بالتّأكيد في صالح السّلطة، ولم تعد للحركة أيّة ورقة
تملكها، لا المساجين ولا المغتربين، أمّا من لا يزال يراهن على رفع المظلمة
كالاعتراف القانوني مثلا، فهذا خير له أن ينزل في مشافي العقول أو الأمراض
النّفسيّة.
على كلّ حال لا بدّ
أن نتجاوز الماضي ولننظر إلى المستقبل.
وإنّني كمساهم مع
أولئك الإخوة في تلك المحاولة التي خرّبتها الأيدي الضّعيفة، أقول بأنّ ما طرحه
الدّكتور النّجّار ذكرناه منذ خمس عشرة سنة عندما كان الجميع في المربّع الآخر،
وكنّا نجدف وحدنا ضدّ التّيّار.
وعليه، فما طرحه
أستاذنا النّجّار، يعدّ ورقة ـ وإن كانت تفتح جروحا ولا تعطي حلولا ـ تصلح أن تكون
متن حوار يجمع كلّ الرّافضين لسياسات التّجربة، فيكون أوّل طريق لهذه الخارطة"تجميع
كلّ الجهود لإرساء حوار متعقّل معتدل، شامل ومعمّق و مفتوح، لا يستثني شيئا ولا
أحدا، تفسّر فيه الورقة وتوسّع في مضمونها، مع ذكر الحلول الجذريّة القريبة والبعيدة.
أملا في أن ننجز ما
لم نقدر عليه تحت سقف الحزب فنتقابل لنجمع جهود كلّ المصلحين فينظرون في المعالجات
الضّروريّة لإصلاح الأحوال مساهمة في إصلاح الوطن.
إنّ الذي قام به أستاذنا
النّجّار خطوة مهمّة محمودة ومشكورة، لأنّها صدرت من قائد مهمّ ومحترم انضمّ إلى
صفوف القيادات المنسحبة، كما يفتح الأبواب للمنسحبين الصّامتين أن يكون لهم فيه أسوة
حسنة.
غير أنّ التّحدّي الأكبر،
أن تلتقي كلّ هذه الجهود لإفادة شعبنا.
وحتّى يستجيب
أستاذنا النّجّار إلى طلبنا فإنّي أنبّه إلى أمور أسمّيها معالم في خـارطـة الطّـريـق،
حتّى يكون هناك طريق حقيقيّ ولا وهميّ، ولا تصاب هذه الخارطة بما أصيبت به خارطة
طريق ما يسمّى بالسّلام في المشرق الإسلاميّ.
معالم في"خـارطـة
الطّـريـق"
معلوم أنّ للطّريق
قوانين خاصّة بها، فالطّريق السّريعة لها قوانين ليست هي نفس قوانين الطّرق
الفرعيّة أو طريق المدينة وهكذا، ولكي يكون الطّريق الذي نتحدّث عنها واضحة موصلة
لأهدافنا المشروعة، فلا بدّ من وضع شروط أو ضوابط نجعلها كمعالم في الطّريق حتّى
نقطعها سالمين غانمين دون أن نتعرّض لمضايقات من أحد.
ومن هذه الأمور التي لا بدّ من ضبطها حتّى نضع
أنفسنا في طريق مفتوح ولا في طريق له منعرجات خطرة أو يؤدّي إلى انسداد، هي:
1 الحديث عن القطبين "الحركة ـ
السّلطة"، الذي أخذ مساحة كبيرة في مقال أستاذنا الكريم، كأنّه يوحي بأنّ المشهد
السّياسيّ في تونس اليوم هو قائم بين هذين القطبين، و أحسب أنّ هذا الأمر قد ولّى
عهده، وهو وهم لا يرسم أيّ طريق، بل هو مفترق الطّرق.
إنّ حركة النّهضة
تجربة بشريّة لم تعالج أخطاءها في حينها فاستحال معالجتها الآن إلاّ أن تحلّ
نفسها، فلا بدّ من حسم واضح في هذه المسألة وبدون تردّد، لأنّ الحركة ـ في تقديري
ـ صارت عقبة أمام أيّ تطوّر سياسيّ محتمل وممكن قد يأتي.
2 لا حديث عن الحركة في هذه المرحلة، إلاّ أن
تنشر تجربتها بكلّ ما لها وما عليها، حتّى تستفيد منها الأجيال الحاضرة والقادمة.
3 عودة التّجربة أو جزء منها أو استنساخ جديد لها
تحت أيّ مسمّى هذا من قبيل الوهم، إلاّ أن تكون ديكورا أو أن تقبل بأقصى شروط
الإذلال والإهانة، أو ترضى بصفقة لا تبقي لها كرامة.
4 لقد
انحرفت الحركة من اتّجاه إسلاميّ إلى حزب كيانيّ، فزاغت عن مشروعها الأصلي العلميّ
الدّعويّ التّربويّ الاجتماعيّ، فتخلّت عن الشّعب، وذهبت تهارش الحكم، فصارت
الحركة حزبا: عقيدته الولاء، وثوابته المصلحة، وركنه التّزكية، ووسيلته التّلوّن،
ينتمى إليه بالعواطف، يخدع به من لا علم لهم ولا هدي، ويعجب به من ليس له تجربة، وينبهر
به من ليس له ميزان يزن به الرّجال ويقوّم به الأقوال، أو بتعبيرة أدقّ فقدت الحركة
بريق الرّبّانيّة" أي لم يحتكم إلى العلم الشّرعيّ بدليله، وهذا ما أفقدها
البصيرة السّياسيّة على حدّ تعبير الإمام القرطبي القائل:"الرّبّاني: الذي
يجمع إلى العلم البصر بالسّياسة "1
وعليه لو أردنا أن
يكتب للحوار الذي أنادي به، فلنتجنّب الحزبيّة والتّعصّب، وليكن منهجنا العلم بدليله،
وقوّة الحجّة، ولتكن مصلحتنا العليا: الدّين والإنسان والوطن.
5 الإسلام دين التّونسيّين جميعا، والنّاس في
بلدنا مختلفون في فهمهم للإسلام، وهذا الاختلاف أدّى وسيؤدّي حتما إلى الاضطراب
والتّنازع، والحال أنّ البلد اليوم يخشى عليها أن تكون مرشّحة للانفجار المخيف
الذي نبتت فيه اليوم نظم "الطاّئفيّة".
وأحسب أنّ التّونسيّين لا يختلفون على مرجعيّة
الإمام مالك رحمه الله تعالى، ولذلك وضعتُ مبادرة إصلاح وصلح ومصالحة ضمن مرجعيّة
جامعة تضع حدّا لهذا التّنازع، وتضبط فهم جميع التّونسيّين للإسلام، وتكون نقطة
التقاء مهمّة لدى الجميع، قطعا لكلّ صراع قد يحصل بين النّاس في فهم الدّين
الجامع، بما يجنّبنا أيّ تهديد للنّسيج الاعتقادي والإجتماعيّ المتميّزة بهما تونس.
إنّه ليس هناك في
ظلّ تشابك المعاني في فهم الإسلام في البلد بين النّخبة والإسلاميّين من جهة وبين
الإسلاميّين أنفسهم من جهة أخرى، إلاّ القبول بما أجمع عليه التّونسيّون منذ قرون:
إنّها أصول مالك في العقيدة والفقه والمنهج والإصلاح 2
هذه هي المعالم
الخمسة التي أضعها بين يدي خطّة الطّريق التي دعى إليها الأخ النّجّار.
هذا، وإنّي أتوجّه
بنداء إلى كلّ الإخوة المنسحبين والدّاعين إلى رفع الاشتباك، والمهمومين بمصلحة
البلد أن يتداركوا الأمر، فيجتمعوا ولا يتفرّقوا، و عليهم أن يلتقوا دون خوف أو
طمع، تحت سقف الأخوّة والتّواضع وخفض الجناح، وأن ينتهوا عن معارضة بعضهم بعضا، من
أجل توحيد قضايانا وضبط مطالبنا في كلمة سواء، عبر تجسيد الحوار المرتقب بين
الجميع دون شروط أو إقصاء أو تهميش أو استثناء حتّى يصدّقنا الملاحظون والمتابعون!
ولا بدّ أن تكون هذه الحوارات تقوم على الإخلاص
والتّجرّد، وأن يقصد بها مصلحة الدّين والبلد، وهذا يقتضي ترك العواطف وحظوظ
النّفس وحبّ الرّئاسة، فهذه هي الأنفلوزات الخنزيريّة التي تحلق الدّين وأهلكت
التّجربة وهي نفسها التي تهلك الجماعات والشّعوب والحضارات.
فهل خريطة طريق
النّجّار، هو بداية تمرّد آخر القيادات الفاعلة، بعد فشل ذريع وقعت فيه الحركة بعد
عقدين من التّخبّط في مناخ الغرب الحرّ ؟ أم هو بداية وعي عميق وتصحيح حقيقيّ
للمرحلة القادمة نادى بها رجال قليلون من الدّاخل أبرزهم الأخ المرابط الفاضل
البلدي، وكثيرون في المهجر أعدادهم لا تحصى؟
الجواب هو ردّ أستاذنا عبد المجيد النّجار ـ
حفظه الله تعالى ونفع به ـ على رغبتنا في
إدارة الحوار الشّامل المأمول، لننتقل من الكلالة إلى الفعل، ومن الشّعارات
والأقوال، إلى السّاحات والأعمال، استجابة لقوله تعالى:" وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" 3
الجمعة 30 المحرّم
1431 الموافق 15 /01/2010
ــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تفسير القرطبي
4/79
2 انظر إلى هذه سلسلة في البناء
http://www.tunisalmoslima.com/modules.php?name=News&file=article&sid=138
3 التّوبة 105