ما هكذا
تورد الإبل يا فضيلة مفتي تونس
3/1
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
في سابقة من نوعها تهجّم الشّيخ عثمان بطّيخ مفتي
الدّيار التّونسيّة على الشّباب المتديّن في تونس ووصفهم بالجهل وبتهديد الاستقرار
والأمن الذي تنعم به البلاد في"العهد الجديد"، وبأنّهم يعكّرون
صفو المناخ الطّيّب بإثارة الفتن وإدخال الاضطراب والحيرة ..."، كلّ هذه
الأحكام القاسية والعنيفة صدرت عنه لسبب
التزام الشّباب بالسّنّة في أداء صلواتهم: قبضا ورفعا وغير ذلك ممّا ثبت يقينا عن
رسولهم صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم 1.
وإنّ المرء ليستغرب
من حشر مؤسّسة الفتوى نفسها في اشتباك مع شباب يستحقّ النّصح والرّحمة، خاصّة وأنّ
المشهد
التّونسيّ يتميّز بحساسيّة شديدة ومناخ متوتّر ضدّ كلّ متديّن يخالف الرّؤية
الرّسميّة للدّين وتطبيقاته.
والذي صدر عن
المفتي كلام مرسل ليس بحجّة، لأنّ القول في الدّين لا يقبل إلاّ بدليل، ولذلك
قال أهل العلم: إنّ كلام العلماء يُحتجّ له ولا يُحتجّ به.
إنّ القول بدون
حجّة من شرع غلط فاحش وتكلّف طائش لا يجوز أن نسكت عنه حتّى لا يروّج القول فيقبل.
وإنّ اتّهام المخالف دون وجه حقّ لمجرّد خلاف معتبر داخل الدّين هو الفتنة بعينها والظّلم
الذي لا يقبله مسلم.
وإنّ إلقاء الشّبهة في
قلوب النّاس، سبب عظيم لشيوع كثير من الباطل بين الخلق، لكونها مركّبة من حقّ مع
ما فيها من الباطل، وإزالة الشّبهة أمر واجب.
وإنّي إذ أستعين
بالله تعالى على الرّد على المفتي، فإنّي أتوسّل إلى ذلك بإزالة شبه ثلاثة أوردها
حضرته في مقاله المشار إليه:
الأولى: لا فتنة في
مسائل الفروع.
والثّانية لا يحقّ لأحد أن يلزم أحدا في مسائل
الاجتهاد.
والثّالثة أنّ القبض والرّفع وما في حكمها هو
المذهب المحقّق في المالكيّة.
المخالفة
في فروع المسائل لا يعدّ فتنة
إنّ المهمّة الأساس
للمفتي والدّاعية إلى الله تعالى هي نشر العلم الشّرعي الصّحيح مساهمة في إصلاح
المجتمع، وأنّ العبد مسؤول يوم القيامة عن التّبليغ دون
الحكم على الأعيان.
وإنّ الحكم على الأعيان المظهرين للإسلام
على وجه العموم هو من التّكلّف المنهيّ عنه، فضلا على أنّه من مسائل القضاء الشّرعي
الذي يختصّ به علماء القضاء دون غيرهم.
والذي صدر عن المفتي في إصدار الأحكام على أعيان
النّاس، أوقعه في أمور منها:
1
التّقصير في المهمّة الأساس"الدّعوة والبيان".
2 أوقعه في الخصام مع المسلمين الملتزمين إجمالاً.
3 أوقعه في ولاء الكارهين للدّين وأعدائه لكم،
وهذا ينال من واجب الولاء للمؤمنين والبراء من أعداء الدّين.
الاعتصام
بالسّنّة نجاة وليس فتنة أبدا
إنّ الشّباب الذين هاجمهم
المفتي ولم يرحمهم ليسوا تنظيما حزبيّا أو معارضة سياسيّة، إنّما هم يعملون بما
وصلهم من سنّة، والعمل بالسّنّة هو النّجاة، كما قال إمام دار الهجرة:"السّنّة
مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك"2 ،
وفي مثل هذا المعنى يقول الإمام الزّهري:" كان من مضى من علمائنا يقولون:
الاعتصام بالسّنّة نجاة"3
وإنّ العمل بالفروع
في الفقه لا يكون فتنة بحال، وإنّما الفتنة في ترك العمل بالسّنّة الصّحيحة
الثّابتة. قال رجل للإمام مالك: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: أَحْرِم من ذي
الحليفة من حيث أحرم رسول الله، فقال: إنّي أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر.
قال: لا تفعل؛ فإنّي أخشى عليك الفتنة! فقال: وأيّ فتنة في هذه، إنّما هي أميال
أزيدها! قال: وأيّ فتنةٍ أعظم من أن ترى أنّك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ تلا قوله تعالى:"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيم4"، 5،
وهذا منه رحمه الله تعالى نصّ في إنفاذ الوعيد.
لا ينكر
المختلف فيه، وإنّما ينكر المجمع عليه
لم يأتنا سعادة
المفتي بالأدلّة التي بنى عليها أقواله من أنّ العمل بما ليس عليه مذهبه أو
مؤسّسته في مسائل الفروع يعدّ فتنة، والحال أنّ الشّريعة قرّرت أنّه لا إنكار في
مسائل الخلاف بضوابط معيّنة، وأنّه ليس من حقّ أحد أن يعترض على من يخالفه إذا لم
يخالف نصّا أو إجماعا أو قياسا جليّا، وهذه بعض أقوال أهل العلم في الباب:
1 قال الإمام النّووي في شرح مسلم: قال
العلماء:" ليس للمُفْتِي ولا للقاضي أن يعترض على منْ خالفه إذا لم يخالف
نصّا أو إجماعا أو قياسا جليّا"6.
2 قال الإمام السّيوطي في قواعده في"الأشباه
والنّظائر": "لا ينكر المختلف فيه، وإنّما ينكر المجمع عليه"7 وقال:"الاجتهاد لا ينقض بمثله"8
3 قال
الحجاوي المقدسي: "... فيحكم كلّ واحد باجتهاده وليس للآخر الاعتراض عليه ولا
نقض حكمه".
4 قال شيخ الإسلام ابن تيميّة:"مسائل
الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد
القولين لم ينكر عليه". وقال: "... فهذه مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها
السّلف والأئمّة، فكلّ منهم أقرّ الآخر على اجتهاده، من كان فيها أصاب الحقّ فله
أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطأه مغفور له، فمن ترجّح عنده تقليد الشّافعي
لم ينكر على من ترجّح عنده تقليد مالك، ومن ترجّح عنده تقليد أحمد لم ينكِر عليه
من ترجّح عنده تقليد الشّافعي ونحو ذلك". وقد قال أحمد في رواية المروذي:"لا
ينبغي للفقيه أن يحمل النّاس على مذهبه ولا يُشدِّد عليهم".
5 قال سفيان الثّوري:"إذا رأيت الرّجل يعمل
العمل الذي قد اختلف وأنت ترى غيره فلا تنهه".
6 روى الخطيب البغدادي عن سفيان الثّوري
قوله:"ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به".
فهذه أقوال أهل
العلم تجمع على أنّه لا تثريب على من قال بقول قد سبق إليه في مسألة خلافيّة.
إنّ وقوع الاختلاف
بين النّاس في الفروع لا ضرر فيه، لأنّ الشّارع الحكيم ذمّ الافتراق ولم يذمّ الاختلاف
الذي لا يؤدّي إلى فتنة، وإنّ كلاّ من الاختلاف والافتراق، لا يلزم وجود أحدهما
حصول الآخر.
أمّا الاختلاف المنضبط
فقد يكون رحمة، وأهله معذورون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والنّزاع في
الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شرّ عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنّف رجل
كتاباً سمّاه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمّه كتاب السّعة، وإنّ الحقّ في نفس
الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض النّاس خفاؤه لما في ظهوره من الشّدّة
عليه"9.
وخلاصة ما سبق أنّ
الشّريعة أوجبت على الأمّة أن لا تنكر على من لم يخالف نصّ الكتاب وسنّة صحيحة
وإجماعا قديما، أمّا إذا خالف النّصّ الصّريح الواضح، ساغ الإنكار، بل وجب. وعلى
هذا الأساس صار العمل من عهد الصّحابة والتابعين وأئمّة المذاهب الفقهيّة.
هذا بإيجاز شديد في
المسألة الأولى*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر فتواه في جريدة الصّريح التّونسيّة شهر 7
/ 2009، والمبيّنة في بحث لي هذا هو رابطه
http://www.tunisalmoslima.com/modules.php?name=News&file=article&sid=1542
2 الفتاوى 4 / 137.
3 رواه
اللاّلكائي 1 /94 ـ 95 ،رقم 136 ـ 137. ابن بطّة في الإبانة الكبرى 1/ 319 ـ 320
رقم 159 ـ 160.
4 النّور:63 .
5 ابن العربي في أحكام القرآن 3/432، و الشّاطبي
في الاعتصام 1/131ـ 132
6 شرح
النووي على صحيح مسلم 2/24 .
7 القاعدة الخامسة والثّلاثون.
8 القاعدة الأولى.
9 مجموع الفتاوى 14/159.
* "لا فتنة
في مسائل الفروع".