شيخ الإسلام ابن تيميّة يناقش الرّافضة
قول الرّافضة أنّ عثمان لا يصلح للولاية
الحلقة السّابعة
(فصــل)
قال الرافضي:"وقد ذكر الشهرستاني وهو من أشد المتعصبين على الإمامية، أن مثار الفساد بعد شبهة
إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأول تنازع وقع في مرضه
ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال:"
لما اشتد بالنبي صلّى الله عليه وسلّم مرضه الذي توفى فيه فقال: ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتابا
لا تضلوا بعده. فقال عمر : إن الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله. وكثر اللغط. فقال
النبي صلّى الله عليه وسلّم: قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع".
الجـواب
: أن يُقال: ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنّفين في الملل
والنحل، عامته مما ينقله بعضهم عن بعض، وكثير من ذلك لم يُحرر فيه أقوال المنقول
عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو يَنقل من كتب من صنّف المقالات
قبله، مثل أبي عيسى الورَّاق وهو من المصنّفين للرافضة، المتهمين في كثير مما
ينقلونه، ومثل أبي يحيى وغيرهما من الشيعة. ويَنقل أيضا من كتب بعض الزيدية
والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة.
وصاحب الهوى يقبل
ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا حجة توجب رده.
وليس في الطوائف
أكثر تكذيبا بالصدق وتصديقا بالكذب من الرافضة، فإن رؤوس مذهبهم وأئمته الذين
ابتدعوه وأسسوه كانوا منافقين زنادقة، كما ذكر ذلك عن غير واحد من أهل العلم. وهذا
ظاهر لمن تأمله.
وإذا كان كذلك
فنقول: ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة وفضائلهم، لا
يجوز أن يُدفع بنقولٍ بعضها منقطع، وبعضها محرَّف، وبعضها لا يَقْدَح فيما عُلم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد
تيقَّنا ما دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدّق ذلك من
المنقولات المتواترة من أدلة العقل، من أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق بعد
الأنبياء، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها ؟!
وأما قوله:"إن
الشهرستاني من أشد المتعصبين على الإمامية
فليس كذلك، بل يميل
كثيرا إلى أشياء من أمورهم، بل يذكر أحيانا أشياء من كلام الإسماعيلية الباطنية
منهم ويوجهه. ولهذا اتهمه بعض الناس بأنه من الإسماعيلية، وإن لم يكن الأمر كذلك.
وقد ذكر من اتهمه شواهد من كلامه وسيرته. وقد يُقال: هو مع الشيعة بوجه، ومع أصحاب
الأشعري بوجه
وأما قول القائل:"
إن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي صلّى الله عليه وسلّم"،
فهذا من أظهر الكذب الباطل، فإنه إن كان قصده أن هذا أول ذنب أُذنب، فهذا باطل
ظاهر البطلان. وإن كان قصده أن هذا أول اختلاف وقع بعد تلك الشبهة، فهو باطل من
وجوه:
أحـدها: أن شبهة
إبليس لم توقع خلافا بين الملائكة، ولا سمعها الآدميون منه حتى يوقع بينهم خلافا.
والثـاني: أن
الخلاف ما زال بين بني آدم من زمن نوح، واختلاف الناس قبل المسلمين أعظم بكثير من
اختلاف المسلمين.
الوجه الثالث: أن
الذي وقع في مرضه كان أهون الأشياء وأَبْيَنِها. وقد ثبت في الصحيح أنه قال لعائشة
في مرضه:"ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من
بعدي" ثم قال:" يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"، فلما كان يوم
الخميس همَّ أن يكتب كتاباً، فقال عمر:" ماله أَهَجَر ؟" فشكّ عمر هل
هذا القول من هَجْر الحمّى، أو هو مما يقول على عادته. فخاف عمر أن يكون من هَجْر
الحمى، فكان هذا مما خفى على عمر، كما خفى عليه موت النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل
أنكره. ثم قال بعضهم: هاتوا كتابا. وقال بعضهم: لا تأتوا بكتاب.
فرأى
النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة، لأنهم
يشكون: هل أملاه مع تغيّره بالمرض؟
أم مع سلامته من ذلك؟ فلا يرفع النزاع
فتركه. ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن
يكتبه أو يبلّغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك ما أمره الله به، لكن ذلك
مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر.
ومن جهل الرافضة
أنهم يزعمون أن ذلك الكتاب كان كتابه بخلافة عليّ، وهذا ليس في القصة ما يدل عليه
بوجهٍ من الوجوه. ولا في شيء من الحديث المعروف عند أهل النقل أنه جعل عليًّا
خليفة. كما في الأحاديث الصحيحة ما يدل عَلَى خلافة أبي بكر. ثم يدّعون مع هذا أنه
كان قد نصّ على خلافة عليّ نصًّا جليًّا قاطعا للعذر، فإن كان قد فعل ذلك فقد أغنى
عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ذلك لا يطيعونه فهم أيضا لا يطيعون الكتاب. فأي
فائدة لهم في الكتاب لو كان كما زعموا؟
وأما
قوله:"الخلاف الثاني: الواقع في مرضه: أنه قال: جهِّزوا جيش
أسامة، لعن الله من تخلف عنه. فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز،
وقال قوم: قد اشتد مرضه، ولا يسع قلوبنا المفارقة".
فالجـواب: أن هذا
كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالنقل، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم
يقل:" لعن الله من تخلَّف عنه"، ولا نُقل هذا بإسناد ثبت، بل ليس له إسناد في
كتب أهل الحديث أصلا، ولا امتنع أحدٌ من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان
أسامة هو الذي توقف في الخروج، لما خاف أن يموت النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال:
كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك الركبان؟ فأذن له النبي صلّى الله عليه وسلّم في
المقام. ولو عزم عَلَى أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلّف عنه أحد
ممن كان معه، وقد ذهبوا جميعهم معه بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم
يتخلف عنه أحد بغير إذنه.
وأبو بكر رضي الله
عنه لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روى أن عمر كان فيهم، وكان عمر
خارجا مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن
له، مع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما مات كان أحرص الناس على تجهيز أسامة هو
أبو بكر.
وجمهور
الصحابة أشاروا عليه بأن لا يجهّزه خوفاً عليهم من العدو، فقال أبو بكر رضي الله
عنه: والله لا أحل راية عقدها
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكن
أهل الفرية يزعمون أن الجيش كان فيه أبو بكر وعمر، وأن مقصود الرسول صلّى اللّه
عليه وسلّم كان إخراجهما لئلا ينازعا عليًّا. وهذا إنما يكذبه ويفتريه من هو من
أجهل الناس بأحوال الرسول والصحابة، وأعظم الناس تعمداً للكذب، وإلا فالرسول طول
مرضه يأمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، والناس كلهم حاضرون، ولو وَلَّى
رسول الله صلّى اللّه عليه
وسلّم على الناس من ولاّه لأطاعوه، وكان المهاجرون والأنصار يحاربون من نازع أمر
الله ورسوله، وهم الذين نصروا دينه أولا وآخرا.
ولو أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستخلف عليًّا في
الصلاة: هل كان يمكن أحدا أن يرده؟ ولو أراد تأميره على الحج
على أبي بكر ومن معه هل كان ينازعه أحد؟ ولو قال لأصحابه: هذا هو الأمير عليكم
والإمام بعدي، هل كان يقدر أحد أن يمنعه ذلك؟
ومعه جماهير
المسلمين من المهاجرين والأنصار كلهم مطيعون لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ليس
فيهم من يبغض عليًّا، ولا من قتل عليّ أحداً من أقاربه، ولو أراد إخراجهما في جيش
أسامة خوفاً منهما، لقال للناس: لا تبايعوهما؟ فيا ليت شعري ممن كان يخاف الرسول صلّى
اللّه عليه وسلّم؟ فقد نصره الله وأعزّه، وحوله المهاجرون والأنصار الذين لو أمرهم
بقتل آبائهم وأبنائهم لفعلوا.
وقد أنزل الله سورة
براءة، وكشف فيها حال المنافقين، وعرّفهم المسلمين، وكانوا مدحوضين مذمومين عند
الرسول
وأمته وأبو بكر وعمر كانا
أقرب الناس عنده، وأكرم الناس عليه، وأحبهم إليه، وأخصهم به، واكثر الناس له صحبة
ليلاً ونهارا، وأعظمهم موافقة له ومحبة له، وأحرص الناس على امتثال أمره وإعلاء
دينه. فكيف يُجَوِّز عاقلٌ أن يكون هؤلاء عند الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من جنس
المنافقين، الذين كان أصحابه قد عرفوا إعراضه عنهم، وإهانته لهم، ولم يكن يقرِّب
أحدا منهم بعد سورة براءة. هذا وأبو بكر عنده أعز الناس وأكرمهم وأحبهم إليه.
وأما
قوله:"الخلاف الثالث في موته".
فالجـواب : لا ريب
أن عمر خَفِيَ عليه موته أولا، ثم أقرَّ به من الغد، واعترف بأنه كان مخطئا في
إنكار موته، فارتفع الخلاف. وليس لفظ الحديث كما ذكره الشهرستاني. ولكن في
الصحيحين عن ابن عبَّاس أن أبا بكر خرج وعمر يكلِّم الناس، فقال : اجلس يا عمر،
فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر :" أما بعد، فمن
كان منكم يعبد محمداً فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
قال الله تعالى:" وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ".
قال: والله لكأن
الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس
كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها.
فأخبرني ابن المسيب
أن عمر قال :" والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلّني
رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم قد مات".
وأما
قوله:"الخلاف الرابع: في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف
الإمامة إذا ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في
كل زمان".
فالجـواب: أن هذا
من أعظم الغلط، فإنه – ولله الحمد – لم يُسلّ سيفٌ على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا
عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان
بينهم سيف مسلول على شيء من الدين. والأنصار تكلّم بعضهم بكلام أنكره عليهم
أفاضلهم، كأُسَيْد بن حضير وعبَّاد بن بشر وغيرهما ممن هو أفضل من سعد بن عبادة
نفساً وبيتاً.
فإن النبي صلّى
الله عليه وسلّم قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه قال:"خير دور الأنصار
دار بني النجَّار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار
بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير ".
فأهل الدور الثلاثة
المفضَّلة: دار بني النجّار، وبني عبد الأشهل، وبني الحارث بن الخزرج لم يُعرف
منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجّار، كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة
وأبَيّ بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا بكر.
وأُسيد بن حضير هو
الذي كان مقدّم الأنصار يوم فتح مكة،
عن يسار النبي صلّى الله
عليه وسلّم، وأبو بكر عن يمينه، وهو كان من بني عبد الأشهل، وهو كان يأمر ببيعة
أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار.
وإنما نازع سعد بن
عبادة والحُبَاب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصدِّيق، ولم
يُعرف أنه تخلّف منهم إلا
سعد بن عبادة وسعد، وإن كان رجلا
صالحا، فليس هو معصوماً، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد عرف المسلمون بعضها، وهو من
أهل الجنّة السابقين الأوّلين من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم.
فما ذكره
الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديمهم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل
المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك. وهو وأمثاله، وإن لم يتعمدوا الكذب،
لكن ينقلون من كتب من ينقل عمَّن يتعمد الكذب.
وكذلك قول القائل:
إن عليًّا كان مشغولا بما أمره النبي
صلّى اللّه عليه وسلّم من
دفنه وتجهيزه وملازمة قبره، فكذب ظاهر، وهو مناقض لما يدَّعونه، فإن النبي صلّى
الله عليه وسلّم لم يُدفن إلا بالليل، لم يدفن بالنهار. وقيل : إنه إنما دُفن من
الليلة المقبلة، ولم يأمر أحدا بملازمة قبره، ولا لازم عليٌّ قبره، بل قُبِرَ في
بيت عائشة، وعليٌّ أجنبي منها.
ثم كيف يُأمر
بملازمة قبره، وقد أمر– بزعمهم – أن يكون إماما بعده؟
ولم يشتغل بتجهيزه
عليٌّ وحده، بل عليٌّ، والعباس، وبنو العباس، ومولاه شقران، وبعض الأنصار، وأبو
بكر وعمر، وغيرهما عَلَى باب البيت، حاضرين غسله وتجهيزه، لم يكونوا حينئذ في بني
ساعدة.
لكن السنّة أن
يتولّى الميت أهله، فتولّى أهله غسله، وأخّروا دفنه ليصلِّي المسلمون عليه، فإنه
صلُّوا عليه أفراداً، واحد بعد واحد، رجالهم ونساؤهم: خلق كثير، فلم يتسع يوم
الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلّوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء.
وأيضا فالقتال الذي
كان في زمن عليّ لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفّين والنهروان لم يقاتلوا
عَلَى نصب إمامٍ غير عليّ، ولا كان معاوية يقول : أنا الإمام دون عليّ، ولا قال
ذلك طلحة والزبير.
فلم يكن أحد ممن
قاتل عليًّا قبل الحكمَيْن نَصَب إماماً يقاتل عَلَى طاعته، فلم يكن شيء من هذا
القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن أحد من المقاتلين يقاتل
طعناً في خلافة الثلاثة، ولا ادعاء للنص على غيرهم، ولا طعنا في جواز خلافة عليّ.
فالأمر الذي تنازع
فيه الناس من أمر الإمامة، كنزاع الرافضة والخوارج المعتزلة وغيرهم، ولم يقاتل
عليه أحد من الصحابة أصلا، ولا قال أحد منهم: إن الإمام المنصوص عليه هو عليّ، ولا
قال: إن الثلاثة كانت إمامتهم باطلة، ولا قال أحد منهم : إن عثمان وعليًّا وكل من
والاهما كافر.
فدعوى المدّعى أن
أول سيف سُلَّ بين أهل القبلة كان مسلولا على قواعد الإمامة التي تنازع فيها
الناس، دعوى كاذبة ظاهرة الكذب، يُعرف كذبها بأدنى تأمل، مع العلم بما وقع.
وإنما كان القتال
قتال فتنة عند كثير من العلماء، وعند كثير منهم هو من باب قتال أهل العدل والبغي،
وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية.
ولو أن عثمان نازعه
منازعون في الإمامة وقاتلهم، لكان قتالهم من جنس قتال عليّ، وإن كان ليس بينه وبين
أولئك نزاع في القواعد الدينية.
ولكن أول سيف سُلَّ
على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج، وقتالهم من أعظم القتال، وهم الذين
ابتدعوا أقوالاً خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، وهم الذين تواترت النصوص
بذكرهم، كقوله
تمرق مارقة على حين فُرقة
من المسلمين، تقتلهم أَوْلى
الطائفتين بالحق"، وعليّ رضي الله عنه
لم يقاتل أحداً على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحدٌ على إمامته نفسه، ولا ادّعى
أحدٌ قط في زمن خلافته أنه أحقُّ بالإمامة منه : لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير،
ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل الأمة كانوا معترفين بفضل عليّ وسابقته
بعد قتل عثمان، وأنه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته، كما كان عثمان
كذلك: لم ينازع قط أحدٌ من المسلمين في إمامته وخلافته، ولا تخاصم اثنان في أن
غيره أحق بالإمامة منه، فضلا عن القتال على ذلك. وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله
عنهما.
وبالجملة فكل من له
خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن بين المسلمين مخاصمة بين طائفتين
في إمامة الثلاثة، فضلا عن قتالٍ.
وكذلك عليٌّ: لم
يتخاصم طائفتان في أن غيره أحق بالإمامة منه. وإن كان بعض الناس كارهاً لولاية
أحدٍ من الأربعة، فهذا لا بد منه. فإن من الناس من كان كارهاً لنبوّة محمد النبي
صلّى الله عليه وسلّم فكيف من لا يكون
فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء ؟
ثم قد تبين أن
الصحابة لم يقتتلوا على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والنزاع بينهم. فتبين أن
خلافتهم كانت بلا سيف مسلول أصلا، وإنما كان السيف مسلولا في خلافة عليّ. فإن كان
هذا قدحاً، فالقدح يختص بمن كان السيف في زمانه بين الأمة.
وهذه حجة للخوارج.
وحجتهم أقوى من حجة الشيعة، كما أن سيوفهم أقوى من سيوف الشيعة،ودينهم أصح، وهم
صادقون لا يكذبون. ومع هذا فقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي صلّى الله
عليه
وسلّم واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلاَّل، فكيف بالرافضة، الذين هم أبعد
منهم عن العقل والعلم والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير؟!
ولم يعرف في
الطوائف أعظم من سيف الخوارج، ومع هذا فلم يقاتل القوم على خلافة أبي بكر وعمر، بل
هم متفقون على إمامتهما وموالاتهما.