ما هكذا
تورد الإبل يا فضيلة مفتي تونس
3/3
الشّيخ
خَمِيس بن علي الماجري
الغيرة
على مذهب مالك وحصره في المسجد لا يلتقيان:
إنّ استخدام الدّولة
العلمانيّة لمالكيّة "مزيّفة" أمر لا يجوز أن يستمرّ، وإنّ تحكّم
السّياسي في الفتوى وزجّ الدّيني وتوظيفه في الأجندات السّياسيّة أمر مقزّز، ولذلك
جاءت الفتوى تسند شحن المحرّضين الذين يتّهمون الشّباب بالخروج على الدّولة لمجرّد
مخالفة المالكيّة الرّسميّة.
وإنّ السّاحة التّونسيّة بإصرار تطرّف السّلطة على
اضطهاد الشّباب الملتزم بالسّنّة، مرشّحة لتشهد فصلا جديدا آخر من فصول الصّراع المرير
بين الشّعب والحكم، ولذلك سارعت منذ ثلاث سنوات بطرح مبادرة تحت عنوان"الإمام
مالك رائد الإصلاح في تونس" تجدونها في موقع تونس المسلمة على هذا الرّابط 22 تستهدف إطفاء حرائق شرور الاختلاف، وتجميع كلّ
التّونسيّين على أصول الإمام مالك الحقيقيّة الجامعة، لعلّها تجنّب البلاد ما
تنبّأتُ به من فتن قادمة لبلادنا لا قدّر اللّه.
لماذا ينزعج
البعض من تديّن الشّباب؟
إنّنا نستغرب أن
يظهر فضيلة المفتي في مبحث فرعيّ بشكل متوتّر، والحال أنّه بان بينونة كبرى عن
القضايا الجوهريّة للوطن، وغاب غيابا كلّيّا على الخطر الحقيقي الذي يهدّد الوحدة
المذهبيّة والسّنّيّة التي ينفخ في كيرها نابتة الرّافضة الذين يطعنون في أصول
الدّين وثوابت الشّريعة ووحدة الأمّة.
فهل يشكّل تديّن الشّباب
في تونس خطرا على البلاد؟ دع عنك أنّهم يشكّلون خطرا على المذهب المالكيّ! هذا ما
نفهمه من خلال عمل المؤسّسة الدّينيّة ضدّ شباب مسالم فرّ من جحيم البعد عن الله
عزّ وجلّ واحتمى ببيوت الرّحمان حيث السّكينة والأمن.
لماذا تغضّ
المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة عيونها عن الشّباب الشّارد عن ربّه الواقع تحت شبكات
الجريمة والاغتصاب والقتل وعبادة الشّيطان والصّليب؟ لماذا تسكت في وجه المدّ
الشّيعي والطّرقي والعبث الأخلاقي؟ لماذا تسكت عن
التّوسّع الإلحادي والشّيوعي والعلماني الطّاعنين في كمال الشّريعة وتمامها
وعزّتها وهيمنها؟
فهل أخطأ هؤلاء
الشّباب وارتكبوا من الجرائم حتّى أثارت عليهم الدّولة الطّامّة والعامّة في مساجد
محروسة بترسانات شديدة من سياجات "قانونية" وأمنيّة لخنق حقّ التّونسيّ
في التّديّن والنّشاط الدّعويّ.
ألم تتساءل
المؤسّسة الدّينيّة الرّسميّة لماذا لم تجد لها قبولا لدى الشّباب، فأقبل هؤلاء
على"التّديّن المشرقي" كما يروّج؟ لقد وجد الشّباب كتيبات وورقات ومطبوعات
كثيرة وميسّرة وبلغة مبسّطة سهلة، فتلقّوها بالاستحسان والقبول لأنّها مؤصّلة مقنعة،
في حين أنّ الكتب المالكية ـ إن توفّرت ـ هي لا تقنع الباحث عن الحقّ، لأنّك لا
تجد فيها إلاّ الفقه المحض والرّأي المجرّد، وقد خلا أكثرها من ذكر الدّليل، وما
كان هذا يليق بمذهب، أجمعت الأمّة على أنّ إمامه إمام في السّنّة والحديث...
يا فضيلة المفتي
اتّق اللّه عزّ وجلّ، ولا تجعلوا من فروع الفقه دينا ولا تجعلوا المالكيّة
الرّسميّة عقيدة من خرج عليها خرج على الدّين وخرج على الدّولة.
يا فضيلة المفتي، إنّ
الشّريعة حقوق كلّها، وأعظمها على الإطلاق حقوق اللّه تعالى وحقوق عباده، والدّفاع
عنها إقامة للدّين وبذلك تحفظ الدّماء والأعراض والأنفس والأموال، وتعطيل هذه
الحقوق تحت أيّ نوع من المعاني إخلال بالدّين وتحريض على الظّلم، ونيل من الشّرع.
أدعوك ـ يا فضيلة
الشّيخ ـ ونفسي أن نتجنّب الأهواء وأن نحافظ على الاعتصام بالسّنّة فهي سبيل
الرّحمة والجماعة والائتلاف، وهي حبل الله تعالى الجامع والمؤلّف بين التّونسيّين
المسلمين، ولا نتفرّق عليها أبدا. كما أدعوك ونفسي أن نقبل بالخلاف في الفروع، وأن
لا نخلط الأمور ولا نتعمّدها، فتوظيف الخلاف الفرعي في صراع سياسيّ وأمني لا يجوز
أن تنخرط فيه المؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة لأنّه يجلب لها الفضيحة والعار.
اسمحوا لي ـ سعادة
المفتي ـ في الختام أن أقول لكم: إنّ "فتواكم" الخالية من الرّحمة
والنّصح والمخاصمة للعلم والعدل، لا أعتبرها تدور في دائرة الشّرع الحكيم، لمفارقتها
الاستقامة الدّينيّة، وسقوطها في ظلمات طاغوت الهوى المرفوض جملة وتفصيلا. قال الإمام
الشّاطبي رحمه الله تعالى:" فكلّ مسألة حدثت في الإسلام فاختلف النّاس فيها
ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنّها من مسائل الإسلام
وكل مسالة طرأت فأوجبت العداوة والتّنافر
والتّنابز والقطيعة علمنا أنّها ليست من أمر الدّين في شيء وإنّها الّتي عنى الرّسول
صلّى الله عليه وسلّم بتفسير الآية وهي قوله" إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا
دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ"23، فيجب على كلّ ذي دين و عقل أن يتجنّبها. فإذا
اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى ...وهو ظاهر في أنّ الإسلام
يدعو إلى الألفة والتّراحم والتعاطف. فكلّ رأي إلى خلاف ذلك فخارج عن الدّين"24
إنه حان الوقت أن يحرّر
الدّين من إكراهات الحكم وضغط العوام وضيق المقلّدين واختطاف الأهوائيّين. وليس
للمفتي الحقّ أن ينكر على الشّباب تمسّكهم بصفة صلاة النبيّ فضلاً على أن يحكم
عليهم أو يحرّض عليهم المتربّصين ويوغر صدور العامّة عليهم، أو ينحاز إلى طرف دون
آخر، بل ينبغي أن يبقى فوق الجميع، يوطّن الأنفس على قبول الخلاف ويبيّن الدّين
بدليله، وهذا وحده الكفيل الذي يجمع بين الشّعب ويصطفّ حوله حتّى يسود بين الجميع
الحبّ والمودّة.
لا تعالج الصّحوة
بمثل هذه الأساليب، والحلّ الحكيم هو التعقّل والاقتناع بالفشل الكامل لتجربة
تجفيف التّديّن وأن تتوقّف الدّولة عن مواجهة الصّحوة، فإنّها لن تفلح، لأنّه لا
يمكن لها أن تطفئ جذوة الإيمان في قلوب شعب مسلم، وإنّ الفزع إلى الحلّ الأمني
خاسر وفاشل بكلّ المقاييس، لأنّ العقائد لا يمكن قهرها أو كسرها.
لقد حصرت المؤسّسة
الدّينيّة اهتمامها بالجدل الفارغ، وظلّت منذ فبركتها من عهد الحبيب بورقيبة تضيّع
جهود وذكاء أهل علمها في مباحث كلاميّة وفقهيّة فرعيّة لا تجدي نفعا، في حين أهملت
اهتمام الإسلام بقضايا العقيدة و الحقّ والخير والمساواة والعدل.
عجبت من المؤسّسة
الدّينيّة الرّسميّة في تونس، وهي تخاصم شبابا يحرصون على اتّباع السّنّة، و لا
تنخرط في إيجاد الحلول الدّينيّة لمشاكل البلاد المتراكمة والمستعصية.
إنّ أهل السّنّة هم
أهل الجماعة وهم أشدّ النّاس حرصا على وحدة الأمّة، والاختلاف في فروع الدّين لا
يؤثّر في جماعتها ووحدتها أبدا، فكم كان الاختلاف بين الصّحابة ومن تبعهم بإحسان وهم
خير القرون وأفضلها، وكانوا جماعة واحدة، وعلى هذا يجب أن نربّي أنفسنا وشعبنا على
هذه المبادئ:
1 وحدة
في الأصول وتنوّع في الفروع.
2
الاجتماع في الأصول واجب وفريضة والاختلاف في الفروع سعة ورحمة.
3 نشر ثقافة التّسامح وحسن التّعامل مع الخلاف
وذلك بتوعية النّاس أنّ الخلاف واقع وموجود، وهو إنّما يذمّ إذا عارض قاطعاً من
الدّين أو ضروريّاً منه، وأنّ أتقى النّاس وأعلمهم وهم صحابة النّبيّ صلّى الله
عليه وعلى آله وصحبه وسلّم في زمنه وبعده وكذلك من بعدهم اختلفوا، وتفاوتت
اجتهاداتهم، ولم يكن هذا سبباً لفرقة ولا اضطراب ولا فتنة، والأمثلة على هذا كثيرة
لا تحصى منها: حديث:"لا يصلّيّنّ أحد العصر إلاّ في بني قريظة"، فاختلاف
الاجتهاد يلزم كلّ مجتهد أن يأخذ بما أدّاه إليه اجتهاده، ويلزم مخالفه ألاّ يثرب
عليه. 25
والواجب على الجميع
الرّجوع إلى الحقّ، فالحقّ أحقّ أن يتّبع، والحقّ
كما قال الفاروق الشّهيد "أبلج لا يخفى على فطن26"
و الموفّق لا يكتفي
بمعرفة الحقّ، بل يجب أن يحبّه ويعمل به، لأنّه من أراد أن يحترم نفسه ويصون دينه
فعليه أن يقبل الحقّ، ولا يدفعه الكبر والبغي والتّعصّب على عدم التّسليم له
والانقياد إليه، ولا يجعل ولاءه للأهواء يعميه عن قبول الحقّ من أيّ كان، فانّ
التّعصّب البائس والمصالح التّافهة هي الّتي أصبحت اليوم حكما في قبول الحقّ
وردّه. قال ابن مسعود رضي اللّه عنه :" ومن أتاك بحقّ فآقبل منه وان كان
بعيدا بغيضا، ومن أتاك بالباطل فآردده وان كان قريبا
حبيبا"27، وقال شيخ
الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: "وليس صلاح
الإنسان في مجرّد أن يعلم الحقّ، دون أن لا يحبّه ويريده ويتبعه، كما أنّه ليس
سعادته في أن يكون عالمًا بالله، مقرًّا بما يستحقّه، دون أن يكون محبًا لله،
عابدًا لله، مطيعًا لله، بل أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله
بعلمه؛ فإذا علم الإنسان الحقّ وأبغضه وعاداه، كان مستحقًا من غضب الله وعقابه
مالا يستحقّه من ليس كذلك، كما أنّ من كان قاصدًا للحقّ طالبًا له ـ وهو جاهل بالمطلوب وطريقه ـ كان فيه من
الضّلال، وكان مستحقًا من اللّعنة ـ التي هي البعد عن رحمة الله ـ مالا يستحقّه من ليس مثله، ولهذا أمرنا الله
أن نقول:"إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ"، و"الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ" علموا الحقّ فلم يحبّوه ولم يتّبعوه، و"الضَّالُوْنَ"
قصدوا الحقّ لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة
العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنّه مغضوب عليهم، وهذا حال النّصارى فإنّهم ضالّون"28.
هذا هو جانب من
الصّورة الواضحة والصّادقة للوضع الدّينيّ في تونس، وكلّ من قال بخلاف ذلك فهو
مزيّف ومخادع.
نسأل الله الكريم
ربّ العرش العظيم أن يجعلنا ممّن ينظر بعين الإنصاف ويتبع الهدى دون اتّباع الهوى،
ولا يقول على الله إلاّ الحقّ، ولا يلبّس على النّاس دينهم. وأن نكون ممّن يخدم
الدّين، ولا يستخدمه، ولا تلهنا الدّنيا عن إيصال الحقّ إلى مستحقّه.
ــــــــــــــــــ
http://www.tunisalmoslima.com/modules.php?name=News&file=article&sid=13822
23 الأنعام 159.
24 الموافقات 4/221 -222
25 انظر في هذا شرح صحيح مسلم، للنووي، ص1139 .
26 الفتاوى 20/44.
27 الإحكام في فصول الأحكام 4/ 586 .
28 الفتاوى 7/586