أحكام رفع
اليدين في الدّعاء
السّؤال: أحسن الله إليكم شيخنا و بارك
الله لنا في علمكم أما بعد فسؤالنا عن المواطن التي يستحبّ فيها رفع اليدين بالدّعاء؟
و ما هو قول المالكية في رفع اليدين بالدعاء في خطبة الجمعة؟
الجواب: الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسوله وآله وصحبه
...
أمّا بعد فقبل أن
أجيبك أخي الفاضل على سؤالك أقول وباللّه التّوفيق:
1 يجب أن
يعلم، أنّ الله عزّ وجلّ خلقنا لعبادته، وأمرنا بطاعته، وبعث إلينا خير خلقه وأشرف
رسله محمّد لنتبعه على شريعته ونقيّد أعمالنا وأقوالنا وأحوالنا بهديه وسنّته، وإن
فعلنا ذلك تحقّقت الهداية وفزنا برضا الرّبّ وضمنّا الجنّة،
قال تعالى:"وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا"النّور54،
وقال:"مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللّهَ"النّساء 80، وقال:" وَمَن يُطِعْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا"الأحزاب 71، وقال:" وَمَن يُطِعِ اللّهَ
وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" النّساء 13، الفتح 17
وقال:" وَمَن
يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ
عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" النّساء 69.
2 أنّ هذه العبادة
أيًّا كانت ظاهرة أم باطنة، قوليّة أم فعليّة لا تكون عبادة حقيقيّة ولا تتمّ ولا
تنفع صاحبها فيُثاب عليها في الدّارين إلاّ إذا تحقّق فيها شروط أهمّها:
الأوّل: والعبادة مبناها على الأمر، فلا تصحّ عبادة إلا بأمره صلّى الله عليه وعلى
آله وصحبه وسلّم أو فعله أو تقريره، إذ لا تقبل عبادة إلاّ بدليل
صحيح ونصّ صريح، ودليله قول المشرّع:" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"
وقوله: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ". لأنّ الشّارع الحكيم هو
ـ وحده ـ الذي يحدّد في كلّ عبادة: العدد والكيف والنّوع والزّمان والمكان ...
الثّانية: الإخلاص
لله عزّ وجلّ وهو إفراده تعالى بالقصد في الطّاعة دون من سواه، بأن يقصد بها وجه
الله تعالى متقرّبًا بها إليه رغبة ورهبة وخوفـًا وطمعًا، فينقّيها ويصفّيها من
قصد ثناء النّاس ومحمدتهم، أو المنزلة في قلوبهم، أو تحصيل شيء ممّا في أيديهم من
الحطام، أو اتّقاء ما قد يوجّهونه له من المذمّة والملام، قال الله تعالى:"ومَا
أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ "البينة 5
وقال سبحانه:" قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً
لَّهُ ٱلدّينَ
وَأُمِرْتُ لاِنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً
لَّهُ دِينِي فَٱعْبُدُواْ
مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ
أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَلاَ ذَلِكَ
هُوَ ٱلْخُسْرَانُ
ٱلْمُبِينُ".
الزّمر:11-15
و قال:"وَلَقَدْ
أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ "الزّمر: 65، وقال
صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم:"إنّما الأعمال بالنّيّات ، وإنّما لكلّ
امرئ ما نوى" متفق عليه وقال صلّى
الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم: قال الله تعالى:" أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك؛
من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه؛ وهو كله للذي أشرك". رواه مسلم في كتاب الزّهد
والرّقائق ، وابن ماجه في الزّهد، ومسند أحمد 2 /301، 435.
فلا بدّ من إخلاص النّيّة لله في أيّ عمل يعمله
العبد، لأنّ تجريد العمل لله وحده، هو القاعدة التي بني عليها الدّين كلّه، ويكون قمينا
للقبول والنّفع والمثوبة، فهو معيار باطن الأعمال الدّقيق وصلاحها ومقياسها الصادق
الذي يميز طيبها من خبيثها وصحيحها من فاسدها ومقبولها من مردودها ونافعها من
ضارها، ولذلك صحّ عن عمر في دعاء شامل جامع كامل قوله:" اللّهمّ اجعل كلّ
أعمالي صالحة ولوجهك خالصة" ...